هــل تتحــول الألـــعـاب الأولمبية لـ«جحيم» أمني؟

الجماهير الاثنين ١٨/يوليو/٢٠١٦ ٢٣:٢٢ م
هــل تتحــول الألـــعـاب الأولمبية لـ«جحيم» أمني؟

ريو دي جانيرو-أ ف ب

يشدد المسؤولون في البرازيل على أن أمن الرياضيين والجمهور الذين سيتواجدون في أولمبياد ريو 2016 سيكون مؤمناً تماماً، لكن واقع الأمور مخالف للتصريحات الإعلامية لأن الوضع ليس على ما يرام بتاتاً في مدينة معروفة بارتفاع معدل الجريمة فيها.

على الصعيد الرسمي، تبدو ريو دي جانيرو مستعدة تماماً لتأمين سلامة الوافدين إليها بين 5 و21 أغسطس والمتوقع أن يتجاوز عددهم نصف مليون شخص، لكن التحديات «المخيفة» التي تواجهها السلطات الأمنية تولد الشك.
وفي الوقت الذي كان يتوجه فيه مسؤول الأحداث الكبرى في وزارة العدل البرازيلية، اندري رودريجيز، إلى وسائل الإعلام من أجل الإعلان عن «الثقة الكاملة» بالإجراءات الأمنية، كان رجال الشرطة ينبشون جثة مقطوعة الأوصال دفنت على الشاطئ الأولمبي المخصص لمسابقة كرة الطائرة الشاطئية في الألعاب الأولمبية.
وعبارة «أنا مطمئن تماماً» التي قالها رودريجيز قبل أسابيع على افتتاح أهم حدث رياضي، لا تنعكس على رجال الشرطة الذين خسروا 50 من زملائهم هذا العام واضطروا أيضا إلى التظاهر من أجل المطالبة بدفع رواتبهم.
وكيف بإمكان رجال الشرطة القيام بمهامهم الشاقة وهم لا يقبضون رواتبهم في ولاية شهدت خلال الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام 2083 جريمة قتل، أي أكثر بنسبة 14% في المئة من العام الفائت خلال الفترة الزمنية ذاتها، كما ارتفعـــت بكثرة عملــــيات الســلب والنهب والخطف.
وفي حادث محرج للغاية بالنسبة للسلطات التي تدعي سيطرتها التامة على الوضع الأمني، سرقت شاحنة مليئة بمعدات تصل قيمتها إلى 400 ألف دولار تم استيرادهـــا إلى البرازيل من قبل تلفزيــون ألــــماني من أجـــل نقل الألــــعاب الأولمبية، لكن المسؤولين حافظوا على ماء الوجه بعدمــــا تمكنوا من إيجادها واسترجاعها.
لكن الفوضى الأمنية الكبيرة معزولة في شمال المدينة وفي مدن الصفيح المعروفة بـ»فافيلاز»، وليس في المناطق الساحلية مثل بارا وكوباكابانا وايبانيما التي تشكل مركز الثقل السياحي.
وهذا الأمر لا يعني أن نشاطات العصابات محصورة في مدن الصفيح لأن تجارة المخدرات تتوسع لتطال جميع المناطق «الأمنة» ما يسفر عن الكثير من الحوادث الأمنية على غرار ما حصل الشهر الفائت عندما هاجمت عصابة من 20 رجلاً مسلحاً المستشفى المركزي في ريو من أجل تحرير رئيسها المسجون.
ودخلت الشرطة في معركة شوارع مع هذه العصابة وقد أدت المواجهات إلى مقتل 9 من الأخيرة بحسب الأجهزة الأمنية لكن رئيسها الهارب والمعروف باسم «فات فاميلي» ما زال طليقاً.

هل تشكل ريو هدفاً إرهابياً؟

صحيح أن البرازيل نأت بنفسها عن أي حرب خارجية في يومنا هذا ولم تدخل في مناطق النزاع مثل سوريا أو العراق ما جعلها بعـــيدة عن أي تهديد مماثل للذي عاشته هذا العام دول مثل فرنسا وبلجيكا وتركيا والولايات المتحدة، لكن استضافتها لحدث ضخـــم مثل الألعاب الأولمبية يجمع كل «اعداء» تنظيم الدولة الإسلاميـــة في مكان واحـــد يجعلـها مهددة تلقائياً.
وقد حذر الخبير الأمني روبرت موجاه الذي يعمل في معـهد «ايجارابي» البرازيلي للبحوث الأمنية والإنمــــائية بأنه «إذا أرادت مجموعة إرهابية أن تبعث رسالة مدوية في حدث عالمي، فريو ستكون المكان المناسب».
وستستقبل ريو مئات الآف الأجانب من 200 دولة ما يزيد احتمال تسلل من يرغب في توجـــيه ضربة أمنية لحدث بهذه الضخامة.
ويبدو أن هناك بعض المؤشرات المقلقة لأن الاســتخبارات البرازيل كشفت في يونيو رســائل باللغة البرتغالية على علاقة بتنظيم داعــش في منتدى على الإنترنت.
ولا يتعلق الأمر بالدلائل وحسب، بل التهديد كان واضحاً بعد اعتداءات باريس في نوفمبر الفائت لأن أحد المتشددين الإسلاميين الفرنسيين غرد على تويتر بان البرازيل هي «الهدف التالي».
ويؤكد المسؤولون أن رجال الشرطة سيتواجدون بأعداد ضخمة في الشوارع من أجل تأمين سلامة الذين سيتابعون الحدث، وتم نقل الآف رجال الشرطة والجيش من مناطق أخرى إلى ريو.
وسيكون هناك 85 ألف رجل أمن، بين شرطة وجيش، في ريو والمدن الخمس التي ستستضيف مباريات مسابقة كرة القدم، أي ضعف العدد الذي كان في أولمبياد لندن العام 2012.
وكشف رودريجيز أنه سيكون هناك مركز تنسيق للشرطة يضم ضباطاً من 55 دولة في أكبر عملية من هذا النوع، كما شكلت وحدة منفصلة لمكافحة الإرهاب تضم ضباطاً من سبع دول رئيسية، بينها الولايات المتحدة والجارتان الأرجنتين وباراغواي.

الأمل بترميم صورة البرازيل

ما هو مؤكد أن البرازيليين يأملون أن تمر هذه الألعاب دون حوادث أمنية من أجل إعادة ترميم صورة البلاد التي تشوهت نتيجة الأزمات والفضائح.
والجدل محتدم في البرازيل حالياً حول لمن سيكون الفضل في حال حققت الألعاب الأولمبية النجاح المرجو، هل ستناله ديلما روسيف الرئيسة التي بدأت بحقها إجراءات الإقالة لاتهامها بالتلاعب بحسابات عامة، أو خلفها الموقت ومنافسها ميشال تامر.
لكن وزير الرياضة الجديد الذي عينه تامر، ليوناردو بيتشــياني، يقدم خياراً آخر: لتكن الألـــعاب ملـكاً لكل البـرازيل لأنها «ستكون في المــقام الأول ارث الشعب البرازيلي».
وتسلم ميشال تامر (75 عاماً) الرئاسة بالوكالة بعد بدء إجراء إقالة روسيف (68 عاماً) وذلك خلال عملية تصويت تاريخية في مجلس الشيوخ أنهت حكم اليسار الذي استمر 13 عاماً.
وبذلك، منعت روسيف تلقائياً عن ممارسة مهامها لفترة أقصاها ستة أشهر، في انتظار الحكم النهائي لأعضاء مجلس الشيوخ بعد الألعاب الأولمبية.
ووسط المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها البلاد وفضيحة الفساد التي تركزت على شركة بتروبراس، أكبر شركة حكومية، فقدت روســـيف الدعم السياسي الضروري ما أدى إلى سهولة اتخاذ قرار إقالتها.
وستقام الألعاب الأولمبية تحت راية الرئيس الموقت تامر الذي «لعب دوراً هامـــاً جـــداً متمثلاً بتنفيذ المرحلة الأخيرة من الأعمال»، بحسب بيتشياني الذي رأى أن «جميع من شارك في تنظيم هذه الألعاب يجب أن يشكر على الدور الذي لعبه».
أما في ما يخص تأثير الوضع السياسي الصعب على الألعاب الأولمبية، قال وزير الرياضة: «أنا مقتنع بأنه لن يؤثر. برهنت البرازيل عن قوة مؤسساتها، ورغم الاضطرابات الســياسية، تمكنت من الإيفاء بالتزاماتها كمضيفة للألعاب. الكلمة المفتاح التي شدد عليها الرئيس تامر بعد توليه المنصب هي «الثقة». ليس هناك فرصة أفضــل من هذه الفرصة بالنسبة لنا من أجل استعادة مصداقية بلدنا».
ولا يبدو أن رجال الشرطة الذين لم يتقاضوا رواتبهم يشاركون وزير الرياضة أو رئيس البلاد الموقت نظرتهما «الوردية» أو يشعرون بالثقة التي يتحدث عنها تامر في ظل افتقادهم إلى أدنى المستلزمات الأساسية التي تساعدهم في أداء واجبهم مثل الوقود لسيارات الشرطة وحتى ورق المرحاض، ما دفعهم الشهر الفائت إلى تحذير الوافدين إلى ريو بيافظة علقت في قاعة استقبال القادمين في المطار الدولي للمدينة وكتب عليها: «أهلاً بكم في الجحيم. من يأتي إلى ريو دي جانيرو لن يشعر بالأمان».