
بقلم - نصر البوسعيدي
تقول الأسطورة بأن السندباد العظيم ملك البحار الذي رأى وحوشا غريبة وبلدانا عجيبة اصله عماني وخرج من صحار للبحث عن المجهول في عالم البحار.
كان العالم ولا زال يتناقل جيلا بعد جيل عن بلاد الشرق وعن البحار المجهولة وعن السندباد الذي استطاع ان يصل إلى ما وراء الصين بعدما رأى من الأهوال ما لا يتخيله أي بشر.
ومن الطبيعي جدا أن يذهب الناس إلى معرفة من أين هذه الحكاية ومن بطلها ومن أي بلاد كان، وبما أن أهل عُمان يعرفهم التاريخ منذ آلاف السنين بأنهم ملوك البحار وسادة التجارة البحرية ووصلوا إلى الصين وما جاورها وجابوا بحار الهند وافريقيا ولم يتركوا بلادا بحرية إلا ووصلوا إليها بغرض التجارة وتبادل البضائع التي كانت أغلبها حصرية تأتي إلى بلاد العرب من خلال السفن العمانية والمشهورة بتصنيعها في عُمان منذ عصر الحضارات القديمة، فبلاد العراق وحضارتها كانت تستورد سفن بلاد مجان ( عُمان ) لجودتها وقوتها العملية التي تتسم بها في التنقل وهذا كله ما دونته بعض الكتابات المسمارية القديمة.
ومن خلال كل هذا الفضول للبحث عن السندباد فقد تتبع أحد الرحالة الأوروبيين واسمه تيم سيفيرين أصل الأسطورة في بلاد العرب، ليتضح له أن البلاد الأقرب وصاحبة الأمجاد البحرية في المنطقة هي عُمان، لذا قرر السفر إليها ومحاولة التقرب من أهلها وتتبع تاريخها وتاريخ هجرات السفن العمانية القديمة والمدن والدول التي وصلت إليها في القارة الآسيوية ومنها بلاد الصين.
رحلته إلى عُمان وجدت الأرض الخصبة لفكرة تتبع رحلة السندباد العماني إلى بلاد الصين وخاصة حينما علم أن العماني أبي عبيده عبدالله بن القاسم الصحاري يعتبر من أوائل العرب الذين وصلوا وأقاموا في الصين في القرن الثامن الميلادي وتم تكريمه من قبل امبراطور الصين سون شين زون بلقب ( جنرال الأخلاق الطيبة) لمكانته وتأثيره الإيجابي في المجتمع الصيني.
ومن حسن حظ هذا الرحالة الإنجليزي، بأن جلالة السلطان قابوس بن سعيد كان لديه الإهتمام الأكبر في إعادة رحلة السندباد العماني إلى الصين حينما قدم لحكومة السلطنة فكرة هذا المشروع وذلك بمناسبة احتفالات السلطنة بالعيد الوطني العاشر عام 1980م، لذا فقد كانت الأوامر السامية تتلخص في بناء سفينة على الطراز العماني القديم وبأيادي عمانية في مدينة السفن ولاية صور التي اشتهرت عبر التاريخ ومنذ أكثر من 5 آلاف عام بصناعة السفن في المنطقة.
لقد كان العمل منظما ومرتبا لمحاكاة ما كان يصنعه العمانيون في صناعة سفنهم، فتمت البداية بذهاب العمانيين المعنيين بالصنعة مع الرحالة إلى غابات الهند واختيار الأشجار المناسبة جدا لهذه السفينة التي تم تسميتها بالسفينة (صحار) وتم فعلا اختيار الأخشاب المناسبة من شجرة العيني وقطعها بالطرق التقليدية وجر أكثر من 140 طنا من الغابات لسفن الشحن عن طريق الفيلة التي كانت تستخدم لذلك، وشحنت بعدها مباشرة إلى عُمان وتحديدا ولاية صور، وتم البدء في صناعة السفينة وبالطرق التقليدية دون استخدام أي مسامير لتثبيت الألواح، بل كانت مثبته ببعضها عن طريق حبال جوز الهند البالغ طولها 400 ميل مع طليها بالجير والصمغ والزيت النباتي التقليدي، حيث استغرق بنائها 165 يوما ليصل طولها الإجمالي في الأخير 87 قدما ووزنها طن واحد.
وبعد أن تم تجهيزها وتدشين الإبحار عليها في حفل بهيج، واختيار بحارتها العمانيين ومنهم عيد بن عبدالله العلوي، وخميس بن سعيد العريمي، ومسلم بن أحمد الشيادي، وجميل بن مرهون السعدي، وعبدالله بن مبارك الصالحي، وصالح بن يوسف العلوي وغيرهم من لم يحضرني اسمه حاليا، بالإضافة إلى ثلاثة علماء بيولوجيين وخبيرين في الغطس، ومصور أفلام ومسجل صوت، والمصور بروس فوستر، وفنان اسمه وتروندور باترسون، والطاهي جاد شانبي، بالإضافة إلى الضابط العسكري العماني خميس بن حميد العريمي الذي تشرف باستلام مصحف شريف قدمه له جلالة السلطان قابوس بن سعيد كهدية يسلمها لمسلمي الصين بمدينة كانتون.
بدأ الحضور الكبير من النواخذة وأعيان المدينة برعاية صاحب السمو السيد فيصل بن علي الوزير المعني آنذاك بقطاع التراث والثقافة في مدينة صور من مشاهدة الإنزال الأول للسفينة صحار الشراعية تحت أهازيج الغناء والفرح وهي تحمل أحفاد السندباد لتبدأ رحلتها نحو المصاعب والأعاصير ولمسافة تتجاوز الستة آلاف ميل نحو الصين معتمدين على الرياح الموسمية واتجاهات النجوم، فكانت كلما لامست عمق البحر تدب فيها الحياة بكل ركن من أركانها الموثقة فقط بالحبال وتعود بالجميع إلى ألف سنة من الماضي وقصص ألف ليلة وليلة.
بعد تلك المراسيم المهيبة تم الإبحار إلى مسقط لبدء الرحلة رسميا من هناك وتوديع المسافرين من خلال اليخت السلطاني وبعض القوارب الحربية في ظل سماع دوي أصوات البحارة العمانيين وهم يفردون الشراع الضخم ليحتضن الرياح الموسمية الشمالية الشرقية وهم ينشدون أهازيجهم المغلفة بالدعاء.
أخذت الحياة تأخذ مجراها الطبيعي للبحارة من أول ليلة من الإبحار نحو الصين باستخدام خبرة العمانيين بمعرفة المسالك حسب النجوم، وآلة الكمال التقليدية لمعرفة الاتجاهات التي طورها البحار العماني قديما أحمد بن ماجد، وكان أكثر ما يؤذي البحارة في رحلتهم هذه الطاهي شانبي الذي كان كسولا ولا يجيد سوى طبخ نوع واحد من الطعام!
وما أن اعتاد البحارة لبعضهم في السفينة تم تقسيمهم إلى ثلاث مجموعات للمراقبة ليصبح نصيب كل فرد أربع ساعات يوميا من المراقبة و8 ساعات من الراحة.
في الأيام الأولى من الرحلة حدثت مشكلة نتيجة البكتيريا والتعفن في قاع السفينة التي بدأت تسرب لهم غاز سلفيد الهيدروجين ذو الرائحة الكريهة جدا مما جعل البحارة يقضون جل وقتهم في سطح السفينة، وكان البحارة العمانيون ورغم رداءة الطعام متأقلمين عكس الأوربيين الموجودين بينهم، فكانوا بقمة نشاطهم وينشدون دوما أغانيهم التقليدية دون ضجر ومملل من صعوبة الحياة في السفينة وعملهم الشاق، ويوما بعد يوم أصبح الأوربيون يتماشون بالتصفيق مع غناء أحفاد السندباد.
وبعد رحلة طويلة وفي منتصف شهر ديسمبر وصلت صحار لأول يابسة نزل فيها البحارة وكانت في أرض الهند وتحديدا جزيرة شيتلات وبعد استراحة قصيرة ورحلة أسبوع وصلوا إلى مدينة بايبور بالقرب من ميناء كلكتا، وهناك تم إعفاء الطباخ شانبي بعد شهر من المعاناة واستبداله بطباخ ماهر اسمه إبراهيم.
ولقد تزوج أحد البحارة العمانيين هناك بفتاة من أهل الجزيرة بعدما استأذن من الرحالة الإنجليزي تيم سيفيرين والذي بدوره اقتطع من مبلغ تكاليف المشروع العماني مبلغ وقدره 130 دولارا كمساعدة مالية لهذا العريس الذي كان بقمة فرحه بعدما عاهد زوجته الجديدة بالقدوم بها إلى عُمان بعد انتهاء الرحلة.
وعلى كل حال فقد استأنف البحارة رحلتهم ليصلوا فيما بعد إلى شواطئ سريلانكا التي كان العرب القدامى يسمونها ( سرنديب )، ولقد كانت هذه المحطة من أهم المحطات التي تذكرها قصص الأسطورة السندباد في الف ليلة وليلة والتي تقول بأنه وصل إلى سرنديب، وتعرض هناك للأسر من قبل أحد القراصنة والذي أمره بأن يأتي له بعاج الفيلة من الغابات ليحصل على حريته، حتى استطاع أن يكتشف مقابر الفيلة ومخابئ الياقوت والأحجار الكريمة ويحظى بهذه الثروات وينفرد بها بعدما استطاع الهرب من القراصنة.
لذا فهذا المكان كان لأحفاد السندباد له شأن كبير وهي من تضم كذلك جبال النبي آدم والذي يقال بأنه حينما هبط من الجنة نزل في هذه الجبال كأول بقعة يطأها في الأرض.
وفي سيرلانكا حدث تغير طفيف في طاقم السفينة، فقد انضم إليهم طبيب إنجليزي واسمه هوليس، وتم استبدال المصور بأوروبي آخر واسمه جبريتهيل، لتنطلق صحار مرة أخرى باتجاه سومطرة.
وفي الطريق تفاجأ الجميع بتجمع كبير لأسماك القرش و استطاع البحارة العمانيون صيد كميات كبيرة منها لخبرتهم الطويلة في ذلك رغم أن بعضهم جرح بعض أصابعه نتيجة عناء هذا الصيد وحركة سمك القرش بقوة في مصيدة السنارة وسطح السفينة، ليسعد الجميع في الأخير بوجبات شهية طوال عدة أيام.
وفي الطريق نحو سومطرة حدثت الكارثة فقد هبت عليهم عاصفة تسببت بكسر سارية السفينة ليصبح حالها يرثى له مع خطورة الوضع، ولكن بعد ساعات من ذلك استطاع البحارة جميعهم التخلص من الجزء المكسور وإعادة نشر الشراع ولكن هذه المرة أصبحت صحار بطيئة جدا في سيرها وكأن مرضا قد أصابها طوال 55 يوما من الإبحار حتى وصلوا إلى جزيرة بالقرب من سومطره واسمها(سابانج).
وسومطرة بالنسبة لحكاية السندباد قصتها مثيرة فهي بقصص الف ليلة وليلة أرض الذهب وآكلي لحوم البشر.
وعموما وصل البحارة بعد ذلك إلى سنغافورة وسط ترحيب كبير من أهالي المدينة الذين اصطفوا في حفل بهيج لتحيتهم.
وبعد استراحة لعدة أيام انطلقوا من سنغافورة متجهين إلى الصين والتي كانت البحار المؤدية إليها مليئة بالمخاطر، فقد كان العمانيون الأوائل يحذرون من ذلك قبل قرون وبأن هذه المسالك تتعرض دوما للأعاصير والعواصف، وفعلا ما لبثت السفينة صحار في طريقها بعد ساعات إلا وضربتها عاصفة شديدة تمزق من خلالها الشراع وكادت أن تغرق وسط أمواج وعواصف رعدية مرعبة أكثر ضراوة من العواصف التي مرت عليها طوال رحلتهم.
ولأن عناية الله كانت حاضرة، فقد نجا الجميع من هذه الأعاصير وسط البحر وظلت السفينة صامدة، وبحارتها يخيطون بعمل دؤوب أشرعتها الممزقة لرفعها مجددا والإصرار للوصول إلى هدفها ميناء كانتون الصيني.
وبعد هدوء البحر من العواصف أكمل الجميع رحلتهم كما أنهم وجدوا في عرض البحر سفينة تحمل مجموعة من فيتنام من بينهم نساء وأطفال لا يملكون ماء جيدا للشرب ولا طعاما، فزودهم بحارة صحار وقدموا لهم بعض الفحوصات الطبية للأطفال والنساء وتم إمدادهم بصندوق إسعاف وبما يحتاجونه ليواصل كل منهم طريقه.
وبعد عناء طوال 7 أشهر من هذه الرحلة التاريخية بسفينة عمانية تقليدية، وصل الوفد إلى الهدف المنشود في الصين وتحديدا ميناء جوانجو أو كانتون والذي كان ميناء مهمها للتجار العرب لا سيما أهل عُمان الذين وصلوا إليه منذ قرون طويلة لشراء الكثير من السلع كالخزف الصيني وغيره.
في هذا الميناء كان المسؤولون في الحكومة الصينية بانتظار واستقبال السفينة العمانية وأحفاد السندباد ومن معهم من الأوروبيين، بحفل بهيج ورسمي حضر كذلك فيه وفد عماني رفيع المستوى برئاسة السيد فيصل بن علي رحمه الله وكبار الشخصيات الذين حملتهم الطائرة السلطانية إلى الصين.
لتنتهي هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر حاملة معها أحفاد الأسطورة الذي خرج من صحار ليجوب البحار والبلدان في سبيل تحقيق أحلامه.
ولقد عاد الجميع بعد انقضاء هذه الرحلة إلى عُمان بسلام ولكن ورغم كل ذلك أصبحت هذه السفينة وللأسف مركونة ومهجورة في شوارع مسقط وتحديدا دوار قصر البستان، رغم أهميتها ورحلتها الأسطورية إلا أن شارع الأسفلت كان مصيرها، لأجدد هنا مطلبا أتمنى أن يتحقق بأن تُنقل السفينة صحار معززة مكرمة إلى صالات أو باحات المتحف الوطني لما لها من أهمية كبيرة وقصة مثيرة استطاع هؤلاء البحارة الشجعان من تحقيقها.
المرجع:
في أعقاب السندباد، تيم سيفرين ، سلسلة تراثنا ( المجموعة التاريخية)، الطبعة الثانية 2016م، وزارة التراث والثقافة – سلطنة عُمان