

العمانية - الشبيبة
فرض الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي إمكانات واسعة للوصول إلى المعرفة والاستفادة من تطبيقاتها في التعلم وتطوير المهارات، فيما أكد مختصون على أهمية تعزيز الوعي بكيفية استخدامها بما يضمن الاستفادة من إمكاناتها دون أن تحل محل التفكير البشري والمهارات الشخصية.
وحول أثر الذكاء الاصطناعي في طرق اكتساب المعرفة، قال الدكتور سالم بن حميد الشعيلي متخصص في الذكاء الاصطناعي إن أدوات الذكاء الاصطناعي غيرت طرق اكتساب المعرفة، حيث أصبح من السهل الحصول على شرح متكامل خلال ثوانٍ معدودة، وهذا بدوره يطرح تحدّيًا يتمثل في الفارق بين اكتساب المعرفة وتحقيق الفهم الحقيقي لها، فالمعرفة الحقيقية لا تقتصر على معرفة الإجابة، وإنما تتجسد في القدرة على فهمها وتحليلها وتقييمها وربطها بالواقع.
وأضاف أنه عند الحديث عن الشباب العُماني تحديدًا، فإننا أمام جيل يعيش مرحلة استثنائية من التحول الرقمي وتوسع استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات التعليمية والاقتصادية والخدمية، ما أتاح لهم فرص كبيرة للوصول إلى المعلومات، وتبسيط المفاهيم المعقدة، ودعم التعلم الذاتي، واكتساب مهارات جديدة بوتيرة أسرع من أي وقت مضى، والاستفادة من مصادر معرفية عالمية كانت تتطلب في السابق وقتًا وجهدًا كبيرين للوصول إليها، لكنه في الوقت ذاته يفرض عليهم مسؤولية أكبر في بناء قدراتهم الفكرية والمعرفية، وعدم الاكتفاء بدور المتلقي للمعلومات.
وأشار إلى أن من أبرز المخاطر المرتبطة بالاعتماد المتزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي لدى الشباب ضعف مهارات التفكير النقدي، وتراجع القدرة على البحث والتحقق من المعلومات، والاعتماد على الحلول الجاهزة بدلًا من تنمية مهارة حل المشكلات، مما يؤدي إلى تكّون معرفة سطحية وسريعة الزوال وامتلاك إجابات كثيرة مقابل الافتقار إلى الفهم العميق الذي يمكنه من توظيف تلك المعرفة في مواقف جديدة أو معقدة.
ولفت إلى أن الاستقلالية المعرفية هي قدرة الإنسان على تكوين آرائه وقناعاته بناءً على الفهم والتحليل الشخصي، والتحدي الحقيقي ليس في استخدام التقنية، وإنما في المحافظة على دور العقل البشري في التحليل والتقييم واتخاذ القرار. فالذكاء الاصطناعي ليس خصمًا للتعلم، بل يمكن أن يكون أحد أقوى أدواته إذا تم استخدامه بالشكل الصحيح، ويمكن للشباب تحقيق التوازن الأمثل من خلال اعتبار الذكاء الاصطناعي شريكًا في رحلة التعلم لا بديلًا عنه، واستخدامه لفهم الموضوعات واستكشاف الأفكار وتوسيع المدارك، مع ضرورة الاستمرار في القراءة والبحث والتحقق من المعلومات وممارسة التفكير النقدي.
وأكد على أهمية توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في الابتكار وتطوير المشاريع والحلول الجديدة، بدلاً من الاكتفاء بنسخ الإجابات الجاهزة، فالقيمة الحقيقية في المستقبل لن تكون لمن يمتلك الوصول إلى المعلومات فقط، وإنما لمن يملك القدرة على تحليلها واستثمارها وتحويلها إلى قيمة مضافة للمجتمع والاقتصاد.
ووضح سلطان بن سالم اليحيائي مدير التدريب والاتصال الخارجي بأكاديمية البرمجة، عن المفارقة التي تذكر أن "الذكاء الاصطناعي يحرر الشباب من المهام الروتينية ليركزوا على الإبداع أكثر، بينما يرى آخرون أنه يقلل من مهاراتهم العملية والذهنية"، قائلا: لا تعد هذه المفارقة تناقضا في الذكاء الاصطناعي نفسه، وإنما في طريقة استخدامه؛ لأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة تمكين قوية للشباب إذا استخدموه لرفع إنتاجيتهم، وتسريع إنجاز المهام المتكررة، والتفرغ للتفكير الإبداعي والتحليل واتخاذ القرار، لكنه في المقابل قد يتحول إلى أداة تضعف المهارات إذا أصبح بديلا عن التفكير والممارسة والتعلم الذاتي.
وأضاف أن التحدي الحقيقي ليس في منع الشباب من استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في تدريبهم على الاستخدام الواعي والمسؤول بما يضمن الانتقال من دور المستهلك إلى دور المنتج؛ بمعنى ألا يكتفي بطلب الإجابات الجاهزة، بل يتعلم كيف يصيغ الأسئلة، وكيف يقارن بين المخرجات، وكيف يتحقق من دقتها ويبني عليها حلولا جديدة.
ووضح أن أهمية المهارات الإنسانية والذهنية والقدرة على التواصل والعمل الجماعي، وفهم احتياجات المجتمع ستزداد بقدر ازدياد أهمية المهارات التقنية، فالذكاء الاصطناعي قد ينجز المهمة بسرعة لكنه لا يملك الفهم العميق للسياق المحلي والحس الإنساني، ولا القدرة على ربط التقنية باحتياجات الناس. وبالتالي، فإن أفضل قراءة لهذه المفارقة هي أن الذكاء الاصطناعي لا يضعف الشباب بذاته، ولا يطورهم بذاته، وإنما طريقة دمجه في التعليم وريادة الأعمال هي التي تحدد النتيجة؛ فإذا تم توجيهه بشكل صحيح، فإنه سيحرر الشباب من الأعمال المكررة ويمنحهم مساحة أوسع للابتكار.
وأكد على أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة كبيرة للشباب العُماني، شريطة التعامل معه كرافعة لبناء القدرات لا كطريق مختصر لتجاوز مراحل التعلم، وكلما نجحنا في الانتقال بالشباب من مجرد مستخدمين للتقنية إلى مبتكرين ومؤسسين ومطورين للحلول، ازداد أثر الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد الرقمي وتعزز ارتباطه بأولويات التنمية الوطنية.فيما يقول نصر بن صالح البلوشي معنيّ بالجوانب الرقمية أن الذكاء الاصطناعي أصبح أحد أبرز التحولات التقنية التي تؤثر في حياة المجتمعات، لا سيما فئة الشباب، لما يتيحه من فرص واسعة للتعلّم والابتكار وتطوير المهارات ورفع مستوى الإنتاجية. إلا أن الاستفادة الحقيقية من هذه التقنيات لا ترتبط بمدى استخدامها فحسب، بل بمدى وعينا بكيفية توظيفها بصورة مسؤولة ومتوازنة.
وأضاف أنه من وجهة نظره ينبغي أن ينظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة مساندة للعقل البشري، وليس بديلًا عنه. فالقيمة الحقيقية لهذه التقنية تكمن في قدرتها على توسيع مدارك الشباب، ومساعدتهم على تحليل المعلومات، وتنمية مهارات التفكير النقدي والإبداعي، وتعزيز قدرتهم على حل المشكلات واتخاذ القرارات المبنية على المعرفة.
ووضح أن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي، دون ممارسة التفكير والتحليل والتحقق من المعلومات، قد يؤدي إلى تراجع بعض المهارات الفكرية، وضعف القدرة على البحث المستقل وصياغة الأفكار وبناء الآراء الشخصية. ولذلك، فإن التحدي لا يكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما في كيفية استخدامه دون أن نفقد قدرتنا على التفكير والإبداع والاستنتاج.
وأشار إلى أن أهمية تعزيز الوعي الرقمي لدى الشباب، تبرز من خلال المؤسسات التعليمية والإعلامية والمجتمعية، وتشجيعهم على استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث والتعلّم وتطوير المشاريع، مع ضرورة التحقق من دقة المعلومات ومصادرها، واحترام الخصوصية والملكية الفكرية، والالتزام بالأمانة العلمية والمهنية. كما أنه من المهم ترسيخ ثقافة تقوم على أن يسعى الشاب إلى التفكير أولًا، ثم الاستعانة بالذكاء الاصطناعي لتطوير فكرته، لا أن يترك له مهمة التفكير بالكامل. فالتقنية مهما بلغت من التطور تظل بحاجة إلى عقل بشري واعٍ يوجّهها، ويقيّم نتائجها، ويحدد مدى ملاءمتها للقيم الإنسانية واحتياجات المجتمع.وأكد على بناء جيل قادر على مواكبة المستقبل لا يتحقق بمجرد إتقان استخدام الأدوات التقنية، بل بإعداد شباب يمتلكون المعرفة والوعي والاستقلالية الفكرية والقدرة على الابتكار. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون فرصة استثنائية لتطوير قدرات الشباب، شريطة أن نُحسن استخدامه، ونحافظ على دور العقل البشري بوصفه أساس التعلّم والإبداع وصناعة المستقبل.
من جانبه، قال خالد بن أحمد الحوسني الرئيس التنفيذي لنماذج /أوريكس/ للذكاء الاصطناعي إن التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة مهمة أمام المؤسسات التعليمية والتدريبية في تحديث المناهج، وربطها بالتطبيقات العملية، وتعليم الشباب كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي لحل المشكلات الحقيقية في المجتمع والاقتصاد، مع تعزيز التفكير النقدي، وأخلاقيات الاستخدام، وريادة الأعمال والابتكار.
وأضاف أنه من المهم ألا يقتصر تأهيل الشباب على المهارات التقنية فقط، بل يجب التركيز بصورة أكبر على ميزتين إنسانيتين لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحل محلّهما، هما المهارات الاجتماعية والمهارات الإبداعية. فالمهارات الاجتماعية تمكّن الشباب من التواصل، وفهم الآخرين، والعمل الجماعي، والقيادة وبناء العلاقات الإنسانية، بينما يبقى الإبداع هو مصدر الأفكار الجديدة؛ لأن الإنسان المبدع هو الذي تخيل هذه التقنية وصممها، وهو القادر على توجيهها نحو ابتكارات جديدة.
ووضح أن المسؤولية المشتركة بين الأسرة والمؤسسات تتمثل في ترسيخ مفهوم أن الذكاء الاصطناعي أداة لتنمية قدرات الشباب، وليس بديلًا عن عقولهم أو مهاراتهم، وعلى الأسرة أن تشجع الشباب على التعلم والاستكشاف والتوازن في الاستخدام، وعلى المؤسسات أن توفر بيئات تعليمية ومختبرات ومشروعات تطبيقية تسمح لهم بالتجربة والإبداع والتعاون.
وأشار إلى أنه لا يمكن الحديث عن الذكاء الاصطناعي ومستقبل الشباب من دون التوقف عند العنصر الأهم الذي يقوم عليه هذا التحول، وهو البيانات، فالذكاء الاصطناعي لا يفكر أو يتعلم من فراغ، وإنما يعتمد على البيانات التي يتم جمعها وتحويلها إلى معرفة وقرارات وحلول، وكلما كانت البيانات دقيقة وحديثة ومتنوعة وآمنة، كانت مخرجات الذكاء الاصطناعي أكثر جودة وموثوقية؛ لأن البيانات الضعيفة أو المتحيزة أو غير المنظمة تنتج قرارات خاطئة مهما كانت قوة التقنية المستخدمة.
وبيّن أنه من الضروري أن يدرك الشباب أن العالم يشهد تحولًا عالميًا هادئًا وعميقًا من تقنية المعلومات إلى تقنية البيانات، فقد كان التركيز في العقود الماضية منصبًّا على الأجهزة والبرامج والشبكات والأنظمة التي تحفظ المعلومات وتنقلها، أما اليوم فأصبحت القيمة الحقيقية تكمن في البيانات نفسها: كيف يتم جمعها؟ ومن يملكها؟ وكيف يتم ربطها وتحليلها؟ وكيف يمكن تحويلها إلى معرفة اقتصادية، وسياسات، وخدمات ومنتجات جديدة.
ولفت إلى أن هذا التحول لا يعني اختفاء تقنية المعلومات، بل يعني انتقالها إلى مرحلة أكثر تقدمًا، تصبح فيها البنية التقنية وسيلة، بينما تصبح البيانات هي الأصل الاستراتيجي والمحرك الأساسي للقرار. فالشركات والمؤسسات والدول التي تملك بيانات جيدة، وتحسن إدارتها والاستفادة منها، ستكون أكثر قدرة على تطوير الذكاء الاصطناعي والتنبؤ بالمخاطر وصناعة مستقبلها.
ووضح أن البيانات توصف اليوم بأنها "النفط الجديد"؛ لأنها أصبحت من أثمن الموارد التي تصنع القوة الاقتصادية والتقنية. ومع ذلك، فإن البيانات تختلف عن النفط؛ فهي لا تنقص عند استخدامها، بل قد تتضاعف قيمتها كلما تم ربطها وتحليلها ومشاركتها بصورة مسؤولة، فبيانات التعليم يمكن أن تطور أساليب التعلم، وبيانات الصحة يمكن أن تساعد على الوقاية المبكرة، وبيانات المدن يمكن أن تحسن النقل والطاقة، وبيانات الأسواق يمكن أن تفتح مجالات جديدة لريادة الأعمال.
وشدد على أن هدف الشباب ينبغي ألا يقتصر على تعلم استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل فهم دورة حياة البيانات كاملة؛ بدءًا من جمعها وتصنيفها وحمايتها، وانتهاءً بتحليلها واستخدامها في بناء النماذج والحلول الذكية.
وختم حديثه بالقول إن الرسالة الأهم للشباب هي ألا ينافسوا الذكاء الاصطناعي في سرعة معالجة المعلومات، بل عليهم أن يتعلموا كيف يقودونه بالمعرفة. فالمستقبل لن يكون للآلة وحدها، بل للشباب القادرين على الجمع بين فهم البيانات، واستخدام الذكاء الاصطناعي، والتفكير الإبداعي، والتواصل الإنساني.