
بقلم : الدكتور صادق بن حسن اللواتي
لم يعد الاقتصاد العالمي محكوماً بالمؤشرات المالية والتجارية وحدها؛ فقد أصبحت الجغرافيا السياسية وأمن الطاقة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد عوامل رئيسية في توجيه الاستثمارات وتحديد القدرة التنافسية للدول والمؤسسات. نحن أمام مرحلة تتغير فيها قواعد الاقتصاد الدولي، ولم تعد الكفاءة وخفض التكاليف كافيين لضمان النجاح، بل باتت المرونة والاستقرار والقدرة على إدارة المخاطر شروطاً أساسية للنمو والاستمرار.
في هذا السياق، جاءت الكلمة الافتتاحية لرئيس تحرير صحيفة «تايمز أوف عُمان»، الأستاذ محمد الزدجالي، في قمة تايمز أوف عُمان لقيادة الأعمال 2026، المنعقدة في 26 أكتوبر 2026 تحت عنوان «قيادة الأعمال في عصر التغيير غير المسبوق»، لتسلط الضوء على تأثير التحولات الجيوسياسية في مستقبل الأعمال، وانعكاساتها على أسواق الطاقة والتجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد، وما تتيحه من فرص اقتصادية لسلطنة عُمان.
لقد أظهرت التطورات في الشرق الأوسط، ولا سيما الاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز، أن الممرات البحرية ليست مجرد طرق لنقل السلع والطاقة، بل تمثل ركائز للأمن الاقتصادي العالمي. فأي اضطراب في الملاحة ينعكس على تكاليف الشحن والتأمين وأسعار الطاقة واستمرارية الإنتاج، وقد تمتد آثاره إلى أسواق بعيدة عن مناطق التوتر. وبذلك أصبحت المخاطر الجيوسياسية عنصراً أساسياً في القرارات الاستثمارية، ولم يعد ممكناً التعامل معها باعتبارها أحداثاً عابرة أو عوامل خارجية محدودة التأثير.
ومن أبرز نتائج هذا الواقع إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية. فالشركات التي كانت تركز على خفض التكاليف بالاعتماد على مصادر وأسواق محددة، أصبحت تتجه إلى تنويع الموردين والمسارات التجارية وتوزيع أنشطتها جغرافياً. ولا يعني ذلك نهاية العولمة، بل انتقالها إلى مرحلة تتوازن فيها الكفاءة الاقتصادية مع الأمن والمرونة واستمرارية الأعمال. وهذا التحول يمنح الدول التي توفر بيئة مستقرة وبنية لوجستية موثوقة فرصة لتعزيز حضورها في خريطة التجارة والاستثمار الدوليين.
وهنا تبرز سلطنة عُمان بما تمتلكه من استقرار سياسي، وموانئ ذات مياه عميقة، ومناطق صناعية، وإمكانات لوجستية، وموقع يربط أسواق آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا. لكن هذه المقومات، مهما بلغت أهميتها، لا تتحول تلقائياً إلى ميزة تنافسية. فالموقع الجغرافي لا يصنع وحده قوة اقتصادية، والموانئ لا تصبح محركات للتنمية بمجرد استقبال السفن واستلام البضائع؛ إنما تتحقق القيمة عندما ترتبط هذه البنية بقاعدة إنتاجية وصناعية وخدمات متقدمة وتقنيات حديثة وكفاءات وطنية مؤهلة.
ومن ثم، فإن التحدي أمام الاقتصاد العُماني هو الانتقال من الاستفادة من حركة عبور التجارة إلى المشاركة في إنتاجها وإضافة القيمة إليها. ويتطلب ذلك توسيع أنشطة التصنيع والتجميع والتخزين والخدمات اللوجستية المتقدمة، وربط الموانئ بالمناطق الصناعية والأسواق، بما يحول البنية الأساسية من مرافق للنقل والتداول إلى منظومة اقتصادية منتجة.
ويستدعي هذا التحول إعادة النظر في مفهوم الاستثمار ومعايير تقييمه. فنجاح السياسات الاستثمارية لا ينبغي أن يقاس بحجم رؤوس الأموال المستقطبة وحده، بل بما تضيفه من قيمة للاقتصاد الوطني. فالاستثمار النوعي هو الذي ينقل المعرفة والتكنولوجيا، ويطور المهارات الوطنية، ويعزز الصناعات المحلية، ويوفر فرص عمل مستدامة، ويبني روابط إنتاجية بين الشركات الكبرى والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. فالمعيار الأهم ليس حجم الأموال الداخلة، بل في أثرها في الإنتاجية وتوسيع القاعدة الاقتصادية.
كما أن جذب الاستثمارات لم يعد يعتمد على الحوافز والتسهيلات وحدها؛ فالمستثمر يبحث عن وضوح التشريعات، وسرعة الإجراءات، وكفاءة المؤسسات، واستقرار السياسات الاقتصادية، وتوافر الكفاءات والخدمات. ولذلك فإن تحسين بيئة الأعمال يتطلب تطوير الإدارة الاقتصادية، وتقليص كلفة المعاملات، وتعزيز الثقة، ورفع كفاءة الأداء المؤسسي.
وفي موازاة ذلك، أصبحت التكنولوجيا والإنتاجية من محددات القوة الاقتصادية. فالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والابتكار لم تعد جميعها أدوات لتحديث الإدارة فحسب، بل اصبحت عوامل تعيد تشكيل الإنتاج والخدمات وسوق العمل. والاقتصادات التي لا تستثمر في المعرفة والمهارات والتقنيات الحديثة تخاطر بفقدان قدرتها التنافسية، مهما امتلكت من موارد طبيعية أو بنية أساسية.
وتبرز هنا أهمية المرونة الاقتصادية، التي تتجاوز القدرة على تجاوز الأزمات إلى امتلاك بدائل إنتاجية وتجارية، وتنويع مصادر الدخل والأسواق والشركاء، وتقليل الاعتماد المفرط على الخارج في القطاعات الحيوية. ويتطلب ذلك تكاملاً حقيقياً بين القطاعين العام والخاص، والانتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى استشراف المخاطر والاستعداد لها.
إن الرهان أمام سلطنة عُمان لا يتمثل في امتلاك مقومات جغرافية ولوجستية واعدة فحسب، بل في تحويلها إلى منظومة متكاملة للإنتاج والاستثمار والمعرفة. وهذا يستدعي اعتماد مؤشرات تقيس القيمة المضافة والإنتاجية ونوعية الوظائف والمحتوى المحلي ونمو الصادرات، بدلاً من الاكتفاء بحجم الإنفاق أو عدد المشروعات والاستثمارات المعلنة.
إن التحدي الحقيقي لقيادة الأعمال في عصر التحولات الكبرى هو الانتقال من إدارة الإمكانات إلى صناعة المزايا التنافسية، ومن استقطاب رؤوس الأموال إلى توطين المعرفة والقيمة المضافة، ومن الاستفادة من حركة التجارة إلى المشاركة في إنتاجها. وبالنسبة إلى سلطنة عُمان، لن يتحدد النجاح بما تمتلكه من مقومات فحسب، بل بقدرتها على توظيفها في بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وإنتاجية ومرونة، ومؤسسات أكثر كفاءة، ومكانة أكثر تأثيراً في الاقتصاد العالمي.