عادل الحمداني يكتب للشبيبة: جمعية المتقاعدين.. لماذا تأخر الحلم؟

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٢٩/أكتوبر/٢٠٢٦ ٠٩:٢٣ ص
عادل الحمداني يكتب للشبيبة: جمعية المتقاعدين.. لماذا تأخر الحلم؟
عادل الحمداني

بقلم : عادل الحمداني – كاتب وإعلامي

ماذا بعد التقاعد؟، هاجس يؤرق نحو 160 ألف متقاعد في سلطنة عُمان، ويُراود كل من يقف على أعتاب هذه التجربة عامًا بعد عام، ويلازم من يقترب من نهاية مسيرته الوظيفية. ومن ذلك الهاجس ينبثق سؤال آخر؛ هل التقاعد مرحلة للراحة واستثمار سنوات العمر واستعادة ما ازدحمت به الحياة من أحلام مؤجلة؟ أم أنه انتقال إلى دائرة العزلة الاجتماعية والنفسية، تلك التي تناولها الكاتب عبدالله الشعيلي في مقاله "عزلة المتقاعد" قبل نحو عامين، حين طرح تساؤلات مهمة حول ما يواجهه بعض المتقاعدين من شعور بالوحدة وما يترتب عليها من آثار نفسية واجتماعية قد تصل إلى الاكتئاب وفقدان الاهتمام بالحياة اليومية؟.

إن ملف المتقاعدين، الذين سنجد أنفسنا يومًا ما جزءًا منه، لا يقتصر على المطالبة بالمراجعة الدورية للمعاشات التقاعدية، رغم أهمية ذلك. هذا الملف يرتبط بقضية أكبر، تتمثل في غياب كيان مؤسسي جامع لهذه الفئة من المجتمع، يُعنى بشؤون المتقاعدين، ويمثل صوتهم أمام الجهات المختصة، ويدافع عن مصالحهم وحقوقهم، وينقل قضاياهم إلى صناع القرار، ويبني لأجلهم شراكات تمنحهم مزايا وخدمات إضافية تليق بما قدموه للوطن طوال سنوات عطائهم.

الخطوة الأولى التي ينبغي الانطلاق منها تتمثل في إعادة صياغة نظرتنا إلى المتقاعد، رسميًا ومجتمعيًا، بالانتقال من مفهوم "المتقاعد الذي يحتاج إلى الرعاية" إلى مفهوم "المتقاعد القادر على العطاء والمشاركة". هذا الانتقال يعني تحوّلًا جذريًا في طريقة التفكير والتعامل مع هذه الشريحة من المجتمع. 

أما لماذا تُعد هذه الخطوة مهمة، فذلك لأنها تنطلق من الاعتراف بأن المتقاعد، هو في الحقيقة ثروة وطنية تختزن رصيدًا من الخبرات والمعارف والتجارب المتراكمة. فلا يمكن النظر إلى المتقاعد باعتباره عبئًا اجتماعيًا، فهو قادر على الإسهام في تدريب الشباب، وتقديم الاستشارات المتخصصة، والمشاركة في الأعمال التطوعية، وإدارة المشاريع بكل احترافية، والمشاركة في المبادرات المجتمعية بكفاءة واقتدار.

وبين هؤلاء المتقاعدين من يمتلكون خبرات إدارية وهندسية وقانونية وتعليمية وإعلامية واقتصادية، وغيرها من المجالات التي لا يمكن للمجتمع أن يستغني عنها. ومن هنا، فإن قضية المتقاعدين لا تتعلق بأفراد أنهوا مسيرتهم الوظيفية، وإنما بخبرات يمكن استثمارها. لذلك، فإن أهمية جمعية المتقاعدين تبرز بشكل أكبر من خلال قدرتها على نقل الخبرة إلى الأجيال الأخرى، وبالتالي سد أي فجوة قد تنشأ بين أصحاب الخبرات المتراكمة والشباب المنضمين إلى سوق العمل. ومن خلال ذلك تصبح الجمعية وسيلة لنقل المعرفة وتعزيز الاستفادة من خبرات المتقاعدين ومعارفهم.

تكرر الحديث في أكثر من مناسبة عن أهمية وجود جمعية تضم المتقاعدين وتستثمر خبراتهم. فقبل عشر سنوات كتب هلال الزيدي مقالا بعنوان "جمعية المتقاعدين.. حان الوقت" عبّر من خلاله عن أهمية احتضان المتقاعد عبر جمعية وأندية ومبادرات مؤسسية تضمن استمرارية دوره في التنمية، وتوفر له حياة أكثر فاعلية. ومنذ ذلك الوقت، لم يحن الوقت بعد، ولم تخرج تلك الجمعية إلى العلن.

وفي مقال آخر، اعتبر الكاتب سعيد المالكي في مقاله "المتقاعد.. مواطن لم يغادر الحياة"، أنه لا ينبغي التعامل مع المتقاعد وكأنه خرج من دائرة الحياة بمجرد انتهاء خدمته الوظيفية. ويلفت المالكي في مقاله الأنظار إلى أن المتقاعدين فقدوا بعض المزايا المالية، في مقابل استمرار الأعباء المعيشية والصحية والأسرية المتزايدة.

واللافت أن الدعوة إلى إشهار جمعية وطنية للمتقاعدين أصبحت مطلبًا يتردد في كتابات عدد من المهتمين بالشأن العام، انطلاقًا من قناعة متزايدة بأن آلاف المتقاعدين الذين غادروا مواقعهم الوظيفية قادرون على العطاء والإنتاج، وأن ما يحملونه من خبرات وتجارب يمثل ثروة وطنية لم تُستثمر بعد بالصورة الصحيحة.

وفي هذا السياق، أشار الدكتور خالد الزدجالي في مقال نشرته صحيفة الشبيبة تحت عنوان "المتقاعدون في سلطنة عُمان: من هامش الخبرة إلى قلب التنمية"، إلى الإمكانات الكبيرة التي يمكن أن توفرها خبرات المتقاعدين في تمكين الباحثين عن عمل من خلال التدريب والإرشاد المهني، والمساهمة في مواءمة المهارات مع احتياجات سوق العمل. كما لفت إلى التنوع الواسع في تخصصاتهم وخبراتهم، التي تمتد من الطب والهندسة والتعليم والإعلام إلى الطيران والقانون والمالية وتقنية المعلومات وغيرها من المجالات الحيوية، مؤكدًا أن هذه الكفاءات تمثل موردًا بشريًا مهمًا يمكن أن يسهم بفاعلية في دعم المشاريع الوطنية وتحقيق أهداف التنمية.

ولم يتوقف الطرح عند حدود الاستفادة من الخبرات فحسب، بل امتد إلى الدعوة لإشراك المتقاعدين في برامج الإحلال الوظيفي ونقل المعرفة وتقليل الاعتماد على الخبرات الوافدة، لا سيما في القطاعات التخصصية. وهكذا، تبدو جمعية المتقاعدين خطوة استراتيجية قادرة على تحويل الخبرة المتراكمة عبر عقود من العمل إلى قوة إنتاجية فاعلة، تسهم في تمكين الشباب، وتعزيز كفاءة الكوادر الوطنية، وترسيخ ثقافة الاستفادة من المعرفة المتوارثة بين الأجيال.

ولتحقيق ذلك، لابد من إنشاء قواعد بيانات لأصحاب الكفاءات الراغبين في مواصلة العطاء، سواء من خلال الاستشارات أو التدريب أو العمل الجزئي أو المشاركة في المشاريع الوطنية.

والحديث عن جمعية المتقاعدين يقود كذلك إلى جملة من القضايا المعيشية التي لا تقل أهمية، وفي مقدمتها المطالبات بإجراء مراجعات دورية للمعاشات التقاعدية بما يواكب ارتفاع تكاليف المعيشة، وتوفير حزمة من المزايا والتسهيلات والخصومات المخصصة للمتقاعدين في خدمات النقل والرعاية الصحية والتعليم وغيرها من الخدمات الأساسية. كما يبرز في هذا السياق الاهتمام بأصحاب الدخول التقاعدية المحدودة، ومساعدتهم على مواجهة الضغوط الاقتصادية المتزايدة، بما يحفظ لهم حياة مستقرة وكريمة بعد سنوات طويلة من العمل والعطاء.

في المحصلة، فإن المتقاعد في سلطنة عُمان لا ينتظر زيادة المعاش التقاعدي فحسب، الذي أصبح لا يتناسب مع الارتفاع المتزايد في تكلفة المعيشة، بل يتطلع كذلك إلى فرصة تتيح له الإسهام بخبراته في بناء المجتمع، من خلال جمعية متخصصة توفر له البيئة المناسبة.

كما يمكن لمثل هذه الجمعية أن تؤدي دورًا مهمًا في مواجهة التحديات التي قد ترافق مرحلة التقاعد، بدءًا من تراجع التواصل الاجتماعي والشعور بالفراغ، وصولًا إلى الحاجة إلى مواكبة التحولات الرقمية والتعرف على البرامج والخدمات المتاحة للمتقاعدين. وهنا، يمكن للجمعية أن تصبح منصة للاحتواء والتأهيل والتمكين، وجسرًا يربط المتقاعد بمجتمعه، ويعزز استمرار حضوره ودوره فيه.