
بقلم : علي بن راشد المطاعني
مواكبة المتغيرات في الأسواق وضبطها بالمزيد من الإجراءات أمر ذو أهمية في مضاعفة المحتوى المحلي من المشتريات الحكومية والخاصة في البلاد، ولعل من أهم الممارسات التي تستدعي الوقوف عندها وجود مقار ومكاتب شكلية لبعض الشركات، بينما تُنجز أعمالها الفعلية من خارج البلاد، الأمر الذي يثير تساؤلات حول كيفية ضبط هذه الممارسات عند إرساء المناقصات والعقود، وضرورة إجراء المزيد من المعاينات والتحقق من أعداد العمالة والإمكانات التشغيلية لدى الشركات الوطنية والأجنبية، وهو ما يتطلب من هيئة المشاريع والمناقصات والمحتوى المحلي والجهات والشركات الحكومية إيجاد المزيد من الاحترازات لمواجهة هذه المستجدات والتعاطي معها بما يحافظ على أكبر قدر من المحتوى المحلي، ويضمن أن تنعكس المشتريات والمناقصات على الاقتصاد الوطني، وفرص العمل، ونمو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
فلا شك أن التطورات التقنية أسهمت في تسريع مسارات العمل وتقليص الجهد البشري والوقت والتكاليف، وأتاحت إنجاز الكثير من الأعمال والخدمات عبر الحدود دون الحاجة إلى وجود العاملين في مكان تنفيذ المشروع، وهي تطورات إيجابية لا يمكن إنكار فوائدها؛ إلا أنها فتحت في المقابل المجال أمام نقل أعمال وخدمات إلى الخارج، رغم إمكانية إنجازها بكفاءات ومؤسسات موجودة في البلاد. ومن بين هذه الممارسات وجود مكاتب تمثيل لشركات لا يتعدى نشاطها الفعلي استقبال العقود والتنسيق مع العملاء، بينما تتولى فرق عمل موجودة في الخارج تنفيذ المشروعات والخدمات. وهنا تتضح المفارقة بين شركة تتحمل تكاليف التوظيف والتعمين والتدريب والتشغيل داخل البلاد، وأخرى تكتفي بحضور محدود، وتنفذ أعمالها من الخارج بتكاليف أقل، ثم تنافس الأولى على العقود نفسها، الأمر الذي يضعف عدالة المنافسة ويحد من استفادة الاقتصاد الوطني من هذه الأعمال.
فالكثير من المناقصات والعقود تذهب إلى شركات تقدم أسعارًا أقل ضمن التقييم المالي، إلا أن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الجهات ليس فقط كم تبلغ قيمة العطاء، وإنما أين سيُنجز العمل؟ ومن هم العاملون الذين سينفذونه؟ وما حجم المبالغ التي ستبقى في الاقتصاد الوطني؟ ومن المفارقات أيضًا الاكتفاء أحيانًا بنسبة التعمين على مستوى الشركة، دون التدقيق في عدد العاملين الفعليين الذين سينفذون العقد، إذ قد تكون لدى شركة أعداد محدودة من العاملين وتستوفي نسبة التعمين المطلوبة، بينما توظف شركة أخرى عشرات المواطنين وتتحمل التزامات تشغيلية أكبر. وهنا لا ينبغي أن تكون نسبة التعمين وحدها معيارًا، وإنما عدد الوظائف المرتبطة بالعقد، والقيمة الفعلية للأجور والخدمات والمشتريات المحلية، وحجم العمل الذي يُنجز داخل البلاد. فلا يستقيم أن تتساوى شركة تبني قدراتها الوطنية مع أخرى تكتفي بإظهار نسبة مقبولة على الورق دون أثر اقتصادي يتناسب مع العقود التي تحصل عليها.
فالأعمال التقنية والبرمجيات والهندسة، بما فيها إعداد الرسومات والخرائط والمخططات، وأعمال التصميم والإنتاج الإعلامي وإعداد المحتوى والترجمة والاستشارات والخدمات المحاسبية وغيرها من الأعمال التي تُسند إلى الشركات، يمكن إنجاز جانب كبير منها من خارج البلاد دون علم الجهة المتعاقدة بمكان التنفيذ الفعلي، وهو ما يستدعي التدقيق في سلاسل التوريد والتعاقدات من الباطن.
وقد بلغت قيمة المناقصات المطروحة من خلال هيئة المشاريع والمناقصات والمحتوى المحلي خلال عام 2025 نحو مليار و703 ملايين ريال عُماني، حيث تشير الإحصائيات إلى ارتفاع كبير في عدد المؤسسات المتوسطة والصغيرة المستفيدة من الإنفاق الحكومي من خلال المناقصات وعقود المشتريات، وزاد عدد مؤسسات ريادة الأعمال المسجلة لدى هيئة المشاريع والمناقصات والمحتوى المحلي من 2075 مؤسسة في عام 2024 إلى 5136 مؤسسة في نهاية الربع الأول من العام الجاري.
تعكس هذه الأرقام اتساع سوق المناقصات وتزايد المؤسسات المستفيدة منها، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالًا جوهريًا: ما مقدار ما يتحول من هذه العقود إلى وظائف ومشتريات وخدمات داخل البلاد، وما حجم الأعمال التي تُنقل لتنفيذها في الخارج؟ فالعبرة ليست بعدد المناقصات المسندة أو الشركات المسجلة فحسب، وإنما بما تضيفه إلى الاقتصاد الوطني من قيمة حقيقية.
ولعل إنشاء هيئة المشاريع والمناقصات والمحتوى المحلي بالمرسوم السلطاني رقم 57/2025 جاء لتأكيد أهمية مضاعفة الجهود في هذا الجانب، ووضع الأطر والآليات التي تعزز استفادة الاقتصاد الوطني من المشروعات والمشتريات الحكومية. وقد منح المرسوم الهيئة اختصاصات تتعلق بوضع معايير ومؤشرات قياس المحتوى المحلي ومتابعة الالتزام بها والرقابة على تنفيذها.
كما أن لائحة تنظيم المحتوى المحلي الصادرة بالقرار رقم 174/2023 ألزمت الشركات المتنافسة بتقديم خطط للمحتوى المحلي تشمل مراحل المشروع والعقود من الباطن، وألزمت الجهات المعنية بمتابعة التنفيذ وتقديم تقارير ربع سنوية عن الالتزام. وهذه نصوص مهمة تؤكد أن الأدوات التنظيمية موجودة، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في فاعلية تطبيقها، والتحقق من مواقع تنفيذ الأعمال وصحة البيانات المقدمة، وعدم الاكتفاء بالشهادات والخطط دون التأكد من النتائج الفعلية على أرض الواقع.
بالطبع، هناك شركات لها وجود فعلي في البلاد وأعمال يصعب نقلها إلى الخارج، كالمقاولات والأعمال الإنشائية وبعض الخدمات الميدانية والتشغيلية، إلا أن الإشكالية تبرز بصورة أكبر في الأعمال التي يمكن تنفيذها عن بُعد، حيث يصعب على الجهات التمييز بين الشركات التي تنفذ الأعمال بمواردها المحلية وتلك التي تستعين بفرق خارجية.
فلا يُعقل أن تطالب الدولة بمضاعفة المحتوى المحلي، وتُخصص المشروعات والمشتريات لتمكين المؤسسات وإيجاد الوظائف، ثم تجد بعض الشركات منافذ لنقل تنفيذ الأعمال إلى الخارج والاستفادة من المناقصات دون الإسهام الاقتصادي المنتظر.
نأمل من هيئة المشاريع والمناقصات والمحتوى المحلي أن تضطلع بدورها في هذا الشأن، وأن تعمل بالتنسيق مع وزارة العمل والجهات والشركات الحكومية على إيجاد منظومة أكثر إحكامًا لضبط هذه الممارسات، وتطوير أدوات التأهيل والتقييم والمتابعة، وإجراء مراجعة لمدى انتشار نقل الأعمال المسندة إلى الخارج. فلا يجب أن تُبرم العقود في الداخل وتُنجز الأعمال في الخارج، ثم نحسب ذلك كله ضمن نجاحات المحتوى المحلي، فهذه مفارقة تستوجب المراجعة والتصحيح، حفاظًا على أموالنا وأسواقنا وفرص أبنائنا.