عباس الزدجالي يكتب للشبيبة: ذهبت لمن تستحقها!

مقالات رأي و تحليلات السبت ١٠/أكتوبر/٢٠٢٦ ١١:٥٥ ص
عباس الزدجالي يكتب للشبيبة: ذهبت لمن تستحقها!
عباس الزدجالي

بقلم : عباس الزدجالي

 

لعلها المرة الثانية، بعد نيلسون مانديلا، التي أقتنع فيها من أعماقي بأن جائزة نوبل للسلام ذهبت إلى من يستحقها بحق وحقيق. ومن جميل المصادفات أن تكون الفائزة نافي بيلاي، ابنة جنوب أفريقيا أيضاً؛ البلد الذي عرف مرارة الفصل العنصري، ثم اختار أن يقف إلى جانب الفلسطينيين، وأن يقاضي إسرائيل بتهمة الإبادة الجماعية، رغم الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.

 

وقد أُعلن في التاسع من أكتوبر ٢٠٢٦ فوز بيلاي بالجائزة تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، على أن تتسلّمها في حفل رسمي بقاعة بلدية أوسلو بالنرويج، في العاشر من ديسمبر المقبل. وفي تقديري، فإن تكريمها اليوم يحمل رسالة تتجاوز شخصها: لا سلام يستحق اسمه حين يُترك الضحايا بلا إنصاف، ويظل الجناة بمنأى عن المحاسبة.

 

وُلدت نافانيثيم بيلاي، المعروفة باسم نافي، في ديربان عام ١٩٤١، لأسرة من أصول هندية تاميلية، في مجتمع تحكمه قوانين التمييز العنصري. بدأت مسيرتها محامية تدافع عن مناهضي الفصل العنصري، وتكشف التعذيب وتطالب بحقوق المعتقلين. ثم حصلت على الماجستير والدكتوراه في القانون من جامعة هارفارد، لتنتقل من مواجهة الظلم في وطنها إلى ملاحقة الجرائم الدولية.

 

عملت قاضية في المحكمة الجنائية الدولية لرواندا منذ عام ١٩٩٥، وترأستها بين ١٩٩٩ و٢٠٠٣، وأسهمت في اجتهاد قضائي تاريخي أقر بأن الاغتصاب يمكن أن يشكّل فعلاً من أفعال الإبادة الجماعية. ثم تولّت القضاء في المحكمة الجنائية الدولية بين ٢٠٠٣ و٢٠٠٨، وشغلت منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بين ٢٠٠٨ و٢٠١٤. كما شاركت في تأسيس منظمة «المساواة الآن» للدفاع عن حقوق النساء.

 

وفي عام ٢٠٢١ تولّت رئاسة لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة وإسرائيل. وفي السادس عشر من سبتمبر ٢٠٢٥، خلصت اللجنة برئاستها إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غزة، مستندة إلى تحقيقاتها والأدلة التي جمعتها، وإلى تصريحات المسؤولين الإسرائيليين وأنماط العمليات العسكرية. وحددت وقوع أربعة من الأفعال الخمسة التي تنص عليها اتفاقية منع الإبادة الجماعية، مع توافر قصد تدمير الفلسطينيين في غزة، كلياً أو جزئياً، بوصفهم جماعة.

 

كانت تلك خلاصة تحقيق دولي مستقل، وليست حكماً قضائياً؛ لكنها نقلت إدانة الإبادة إلى تقرير مفصّل يضع الأدلة والمسؤوليات أمام العالم. ولم تكن بيلاي تقود دعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية؛ فذلك مسار قضائي منفصل، يلتقي مع عمل اللجنة في المطالبة بالمحاسبة.

 

ولم يكن الطريق ممهّداً. فقد رفضت إسرائيل التعاون مع اللجنة ومنعت أعضاءها من الدخول، وواجهتهم باتهامات التحيز ومعاداة السامية. وردّت بيلاي برفض هذه الاتهامات، مؤكدة استقلال اللجنة واحتكامها إلى الأدلة، ومطالبة منتقديها بمناقشة الوقائع الواردة في تقاريرها. كما عانت اللجنة نقصاً في التمويل عطّل قدرتها على إنجاز بعض التحقيقات، ضمن أزمة مالية أوسع للأمم المتحدة. ومع ذلك، ينبغي ألا ننسب تنحّي بيلاي في نوفمبر ٢٠٢٥ إلى الضغوط باعتباره حقيقة؛ فقد أعلنت أن أسبابها تتعلق بالعمر والصحة والتزامات أخرى.

 

أما جنوب أفريقيا، فقد واجهت ضغطاً أمريكياً مباشراً: ففي السابع من فبراير ٢٠٢٥ أصدر ترامب أمراً بوقف المساعدات إليها، وذكر ضمن مبرراته اتهامها إسرائيل بالإبادة أمام محكمة العدل الدولية، إلى جانب خلافات أخرى. وهنا تصبح المفارقة موجعة: دولة تلجأ إلى القضاء الدولي، فتواجه العقاب بسبب موقفها، بينما تحتاج الضحايا إلى الحماية والعدالة.

 

ولعل فرحتنا تكتمل حين يُلقى القبض على جزار غزة نتنياهو، ويُقدَّم إلى العدالة، قريباً بإذن الله؛ فتكريم المدافعين عن الضحايا يستمد معناه الأعمق من إنصاف أكثر من ٧٤ ألف فلسطيني قُتلوا، بحسب الحصيلة المعلنة، بينهم أكثر من ٢١ ألف طفل وطفلة، في واحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية في القرن الحادي والعشرين، ومحاسبة المسؤولين عن قتلهم. هؤلاء أرواح وأحلام وعائلات، لا أرقام عابرة في نشرات الأخبار.

 

لقد باتت معاناة الفلسطينيين، وأهل غزة خصوصاً، أكثر حضوراً في ضمير العالم، مهما حاول المبرّرون طمسها. وكما تقول العبارة الشهيرة المنسوبة إلى غاندي: «في البداية يتجاهلونك، ثم يسخرون منك، ثم يحاربونك، ثم تنتصر».

 

ولعلنا نقترب من الفصل الأخير… بعد أن دفع الفلسطينيون ثمناً لا يحتمله بشر.