الدكتور صادق بن حسن اللواتي يكتب للشبيبة: الأمر السامي والقرار الإداري: حدود التوجيه ومسؤولية التنفيذ

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠٨/أكتوبر/٢٠٢٦ ١٥:٠٢ م
الدكتور صادق بن حسن اللواتي يكتب للشبيبة: الأمر السامي والقرار الإداري: حدود التوجيه ومسؤولية التنفيذ
الدكتور صادق بن حسن اللواتي

بقلم : الدكتور صادق بن حسن اللواتي

 

في الدولة الحديثة، ثمة فرق جوهري ينبغي ألا يختلط في الممارسة الإدارية بين سلطة التوجيه العليا التي يمثلها الأمر السامي، وسلطة التنفيذ الإداري التي يمثلها القرار الصادر عن الجهة الحكومية المختصة.

فالأمر السامي يحدد التوجيه، بينما يحدد القرار الإداري الإجراء التنفيذي وأثره القانوني، والتمييز بينهما لا ينتقص من مكانة أي منهما، بل يضع كل أداة في موضعها الصحيح، ويحفظ في الوقت نفسه هيبة الدولة وسيادة القانون ووضوح المسؤولية المؤسسية . 

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عندما يترتب على تنفيذ توجيه سامٍ أثر مباشر في المركز القانوني لأحد الأشخاص، كأن يتعلق الأمر بملكية عقار أو تسجيله أو حيازته أو وضعه القانوني. ففي مثل هذه الحالات قد يقال إن الإجراء اتخذ «بناءً على الأوامر السامية»، لكن هذه العبارة، على أهميتها، لا ينبغي أن تكون نهاية البحث، وإنما بدايته؛ إذ يبقى من الضروري معرفة الأداة الإدارية التي ترجمت ذلك التوجيه إلى أثر قانوني محدد .

وقد أكدت الفتوى القانونية الصادرة عن وزارة العدل والشؤون القانونية رقم: 2427101783

بتاريخ 6 مايو 2024 .بشأن التكييف القانوني للأوامر السامية، الطبيعة الخاصة لهذه 

الأوامر ومكانتها، وما يترتب عليها من التزام الجهات الحكومية بتنفيذها. غير أن تنفيذ الأمر السامي داخل الجهاز الإداري يتم من خلال أدوات وإجراءات مؤسسية، وهو ما يجعل التمييز بين التوجيه الأعلى والقرار التنفيذي أمراً مهماً لفهم المسار القانوني كاملاً .

ولتوضيح ذلك بمثال عملي: إذا صدر أمر سامٍ يتعلق بعقار معين، ثم قامت جهة حكومية باتخاذ إجراء أدى إلى تغيير تسجيل العقار أو حيازته أو مركزه القانوني، فإن الأمر السامي يمثل مصدر التوجيه، بينما يكون الإجراء الذي اتخذته الجهة المختصة هو الأداة الإدارية التي أحدثت الأثر المباشر في المركز القانوني لصاحب الشأن.

ومن هنا يمكن أن يطرح السؤال بصورة دقيقة: ما القرار الذي صدر؟ ومن الجهة التي أصدرته؟ ومتى صدر؟ وما الأثر الذي رتبه؟ وما علاقته بالتوجيه الذي استند إليه؟ وهذا لا يعني أن الجهة الإدارية تملك تجاهل الأمر السامي أو إعادة تقييمه، وإنما يعني أن تنفيذ التوجيه الأعلى لا يلغي ضرورة سلامة الأجراءات التي تستخدمها الإدارة في التنفيذ.

فالجهة الحكومية تظل مسؤولة عن أن يكون الإجراء الصادر عنها في الإطار المؤسسي والقانوني الذي يحكم عملها، وأن يعبر بوضوح عن الأثر الذي أرادت ترتيبه. وبذلك يصبح التمييز بين الأمر السامي والقرار الإداري وسيلة لحماية مسار التنفيذ، وليس وسيلة للطعن في مصدر التوجيه .

وتبرز هنا أهمية وضوح القرار الإداري، ولا سيما عندما يمس حقوقاً أو مراكز قانونية قائمة. فحين يكون القرار مستنداً إلى توجيه سامٍ، فإن الإشارة إلى ذلك في القرار أو في أسبابه، بالقدر الذي يقرره القانون، تساعد على بيان العلاقة بين مصدر التوجيه وإجراء التنفيذ. فعبارة مثل «بناءً على الأمر السامي رقم (...) بتاريخ (...)» لا ينبغي أن تحجب القرار التنفيذي عن صاحب الشأن، بل تساعد على تحديد مصدره والتمييز بين الأمر الذي وجّه بالفعل والإجراء الذي رتب الأثر القانوني

وهذه المسألة تتصل بمبدأ أوسع في الدولة الحديثة وهو أن سيادة القانون لا تتعارض مع قوة السلطة ، بل تنظم كيفية ممارسة هذه القوة . فالنظام الأساسي للدولة يجعل سيادة القانون أساساً للحكم، ويضع عمل أجهزة الدولة في إطار القواعد القانونية والمؤسسية. ومن ثم فإن احترام الأوامر السامية لا يعني تجاوز الأطر المنظمة للتنفيذ، كما أن تطبيق القواعد القانونية لا يعني تعطيل التوجيهات العليا، وإنما المطلوب هو انتظام العلاقة بينهما ضمن مسار واضح .

وتظهر أهمية ذلك بصورة أكبر بالنسبة إلى صاحب الشأن. فإذا وجد أن مركزه القانوني قد تغير نتيجة إجراء حكومي، فمن حقه أن يعرف، في الحدود التي يسمح بها القانون، القرار الذي رتب هذا الأثر والجهة التي أصدرته وتاريخه ومضمونه والأساس الذي استند إليه. ولا يعني ذلك المطالبة بكشف المداولات أو المراسلات الداخلية للدولة، وإنما يعني أن يكون القرار الذي مس مركزه القانوني قابلاً للتحديد والفهم والمراجعة بالوسائل التي يقررها القانون .

 

وقد أنشأ قانون محكمة القضاء الإداري إطاراً لمراجعة القرارات الإدارية، بما يتيح لصاحب الشأن سلوك الطرق القانونية عندما يرى أن القرار الذي مس مركزه القانوني شابه عيب من العيوب التي تجيز المراجعة القضائية. ولذلك فإن تحديد القرار الإداري بدقة ليس مسألة شكلية، بل هو أمر يرتبط مباشرة بإمكان معرفة محل التظلم أو الطعن والجهة المسؤولة عن الإجراء والأثر الذي ترتب عليه .

إن احترام الأوامر السامية لا يحتاج إلى خلطها بالقرارات الإدارية، بل يحتاج إلى العكس تماماً ، . أي إلى توضيح الحدود بين سلطة التوجيه وسلطة التنفيذ، فالأمر السامي يحتفظ بمكانته ومصدره وسلطته، والجهة الإدارية تنفذه من خلال أدواتها المؤسسية، وصاحب الشأن يعرف القرار الذي مس مركزه القانوني والوسيلة التي يستطيع من خلالها مراجعته وفق القانون .

وبذلك تتحقق معادلة أكثر وضوحًا في العمل المؤسسي: قوة الأمر السامي في نفاذ توجيهه، وقوة الإدارة في حسن تنفيذه، وسيادة القانون في تنظيم أدوات التنفيذ، وحق صاحب الشأن في معرفة القرار الذي مسَّ مركزه ومراجعته بالطرق القانونية المقررة. 

بما أن نص القرار صادر من الجهة التنفيذية ويخاطب واقعًا عمليًّا، فإنّه من المفيد التأكيد على وجوب أن تفصح الإدارة عن سندها بوضوح في ديباجة القرار، إعمالًا لمبدأ «تسبيب القرارات الإدارية» الذي يُعد ضمانة جوهرية لحق الطعن، وهذه الصورة لا تضعف هيبة الدولة، وإنما تجعلها أكثر رسوخًا؛ لأن هيبة الدولة لا تقوم على قوة التوجيه وحدها، بل على دقة تنفيذه ووضوح آثاره .