
بقلم : صادق بن محمد سعيد اللواتي
في الذكرى السنوية الثالثة لبدء حرب 7 أكتوبر 2023 على قطاع غزة المظلوم، والتي ارتكبت خلالها إسرائيل أبشع المجازر، ولجأت إلى التجويع سلاحاً، وحرمت الشعب الفلسطيني من الماء والدواء، ودمرت 90% من البنية التحتية، وقتلت أكثر من 75 ألف فلسطيني، معظمهم من الأطفال والنساء، وجرحت 175 الفاً. تستمر المجازر والمجاعة دون هوادة حتى يومنا هذا، والعالم يشاهد وكأن قتل الفلسطينيين وتجويعهم لا يعنيهم. أكتب هذه الكلمات في هذه المناسبة المؤلمة.
أنا من قصر من واجبي تجاه الفلسطينيين العزل في غزة، لم أستطع حتى أن أقدم لهم رشقة ماء، أقول لهم: سامحوني. كل ما أستطيع تقديمه هو ما يخفيه قلمي. سأستمر في الكتابة ما حييت، غير خائف من تهديدات المتحدث العسكري الصهيوني أو السجون السرية.
أكتب إلى الشعب الفلسطيني العظيم، إلى الأرض التي أنجبت الأنبياء والمعجزات، والتي صمدت في وجه الطمس والنسيان.
إلى الطفل الذي ولد تحت وطأة القصف، ونشأ وسط هدير الطائرات الحربية، وترعرع بين أنقاض بيته المدمر، حاملاً في قلبه يقين العودة، وفي يده حجر المقاومة، وعلى شفتيه هتاف "الله أكبر".
إلى ركام الساكت الذي يبكي أهله تحت ظلام الليل، وإلى الألعاب الصغيرة الملطخة بالدماء والمتروكة بين الغبار، كم هو محزن ومؤلم أن تنتهي حكايات صغارنا قبل أن تبدأ، وأن تُدفن معهم ضحكاتهم وأحلامهم الورقية تحت أطنان من الأسمنت البارد، دون أن يودعهم أحد، ودون أن يمسح دموعهم أحد.
إلى الأم الفلسطينية الصابرة التي دفنت أبناءها الثلاثة بيديها الطاهرتين في تراب وطنها، بعزيمة لا تلين، شامخة كالجبل، تُعلم الأمة معنى الكبرياء.
إلى الشيخ المُسن الذي رفض مغادرة أرضه، رغم التهديدات والنيران، متشبثاً بتراب أجداده، مُردداً: "هنا نموت، وهنا نحيا".
إلى تلك الطفلة الصغيرة التي عُثر عليها تحت الأنقاض بعد ثلاثة أيام، وهي تمسك بكتابها المدرسي الصغير بيدها المخدرة، وكأنها تقول للعالم: حلمتُ بالتعلم، فلماذا قتلتم حلمي قبل أن أتمكن من كتابته؟
إلى الأب الذي يحمل كيس دقيق فارغاً، عائداً خالي الوفاض إلى أطفاله الذين يبكون من الجوع. أي عجز، أي خيانة نعيشها ونحن نشاهدهم يموتون جوعاً على شاشات هواتفنا؟
كم يمزق الروح أن نرى بيوتاً كانت طافحة بالحياة والدفء، تحولت في لحظة غادرة إلى مقابر صامتة لم يبقى منها سوى بقايا صور عائلية مشوهة وشال أم تفوح منه رائحة الطين والدموع، أي حزن هذا الذي يستوطن القلوب ونحن نرى عائلات بأكملها تُمحى من السجل المدني وكأنها لم تطأ هذه الأرض يوماً.
أصبحت غزة مرآة تعكس نفاق هذا العالم. انهارت كل الشعارات المتعلقة بحقوق الإنسان والقانون الدولي. لقد رأينا كيف يتجاهل قادة العالم ببرود حرب الإبادة الجماعية هذه، وكأن رفات الأطفال والنساء ليست بشرًا. وهنا يبرز السؤال المرير، مُجبرًا ضمائرهم القاسية على الخضوع: إذا كنتم لا ترون الشعب الفلسطيني بشرًا يستحقون الحياة، ألا تتضمن قوانينكم على الأقل بنودًا لحقوق الحيوان يمكنكم تطبيقها على هؤلاء الضحايا الأبرياء؟
من أعطى بريطانيا الحق في تسليم فلسطين لليهود؟ إن جذور هذه المأساة تعود إلى اللحظة التى نضبت فيها القوى الاستعمارية نفسها أوصياء على مصائر الأمم. صحيح أن اليهود عانوا اضطهادًا وحشيًا على يد النازيين في أوروبا، ولكن هل من العدل أن يتحمل العرب والمسلمون عبء هذه الجرائم الأوروبية؟ هل يُعقل أن يُعوض اليهود عن ظلم النازية باغتصاب أرض شعب آخر وتشريده؟
ختامًا، أقول لأهل غزة ولجميع شعوبنا في فلسطين، مهما عظمت المجازر، فالأرض التي تدافعون عنها هي أرضكم، وما سُلب منها سيعود إليكم لا محالة. لا يمكن للغزاة البقاء على هذه الأرض، فهي ليست أرضهم، مهما تمنى الظالمون والطغاة. أنتم شهود أحياء على أن الأرض لا تموت، وأن دماء المظلومين ستنتصر حتمًا على سيف الظالم.