سالم الحبسي يكتب للشبيبة: بالحبر السري.. السكتيوي يعيد تشكيل «الأحمر».. عُمان لا تتأهل فقط، بل تُعيد اكتشاف نفسها

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٠٤/أكتوبر/٢٠٢٦ ٢٣:٢٩ م
سالم الحبسي يكتب للشبيبة: بالحبر السري.. السكتيوي يعيد تشكيل «الأحمر».. عُمان لا تتأهل فقط، بل تُعيد اكتشاف نفسها
سالم الحبسي

بقلم : سالم الحبسي 

في كرة القدم، ليست كل بطولة تقاس بعدد النقاط أو بعدد الأهداف. بعض البطولات تكشف شيئًا أعمق: هل يملك المنتخب شخصية قابلة للنمو؟ وهل يستطيع مدربه أن يحوّل الأزمات إلى مراحل في مشروع بناء طويل؟

وفي «خليجي 27»، قدم منتخب عُمان إجابة تستحق التوقف عندها: هذا منتخب يتغير أمام أعيننا.

دخل «الأحمر» مجموعة لا ترحم، إلى جانب السعودية والعراق والكويت، فتعادل مع العراق 1-1، وسقط أمام السعودية 0-3، ثم قلب الطاولة بصورة درامية على الكويت، عندما حول تأخره إلى انتصار 3-1 بثنائية ناصر الرواحي وهدف مصعب الشقصي. وبأربعة أهداف فقط، تصدر الرواحي قائمة هدافي البطولة بعد دور المجموعات. 

لكن الأرقام وحدها لا تشرح التحول. القيمة الحقيقية في منتخب السكتيوي تكمن في الاستجابة للمباراة. أمام العراق، لم يكن الشوط الأول مثاليًا، لكن الفريق رفع جودة ضغطه وتحركه في النصف الثاني، وجاء هدف التعادل عبر الرواحي في الدقيقة 66. هذه القدرة على تعديل السلوك داخل المباراة هي إحدى العلامات المبكرة على امتلاك الفريق مرونة تكتيكية، وهي سمة أساسية في المنتخبات التي تتطور من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة التحكم بالمباراة. 

ثم جاءت مواجهة الكويت كاختبار للشخصية. التأخر بهدف مبكر لم يدفع المنتخب إلى الفوضى؛ بل أعاد ترتيب مواقعه، ورفع سرعة الاستحواذ والتحول، واستثمر المساحات حتى جاءت «ريمونتادا» بثلاثة أهداف. هنا ظهر أحد أهم مؤشرات التطور: المنتخب لم يعد يتعامل مع التأخر كحكم نهائي على المباراة، بل كمشكلة قابلة للحل.

الأكثر أهمية أن السكتيوي لم يكتفِ بإدارة بطولة قصيرة المدى، بل بدأ يفتح الباب أمام الإحلال التدريجي. القائمة ضمت 11 لاعبًا يخوضون «خليجي» للمرة الأولى، بينهم ناصر الرواحي، ومصعب الشقصي، وحسين الشحري، ووجود وجوه جديدة غيرهم. وهذا ليس تفصيلًا إداريًا؛ فبناء المنتخبات الحديثة يعتمد على توسيع قاعدة اللاعبين القادرين على أداء أدوار محددة داخل منظومة واضحة، بدل صناعة فريق يعتمد على مجموعة ثابتة من الأسماء. 

وفي مواجهة الإمارات، ظهر «الأحمر» بصورة أكثر نضجًا أمام منتخب يملك خيارات هجومية وعمقًا أكبر، ولم يكن الفارق في الشخصية كما حاول البعض تصويره. إبراهيم المخيني كان حاضرًا في لحظة حاسمة وتصدى لركلة جزاء، بينما قاتل الفريق حتى النهاية قبل أن يحسم عثمان كامارا المباراة للإمارات بهدف وحيد.

وهنا يجب ألا تختزل التجربة في نتيجة واحدة.

السكتيوي يبني منتخبًا يقوم على ثلاثة أعمدة: الشباب، المرونة التكتيكية، والتنافس على المراكز. والمؤشر الأخطر للمنافسين أن مستوى «الأحمر» كان يتصاعد كلما ارتفع ضغط البطولة.

صحيح أن الطريق انتهى في نصف النهائي، لكن المشروع لم ينتهِ. بل ربما بدأ فعليًا.

ففي كرة القدم، الفريق الذي يملك مستقبلًا ليس بالضرورة من يرفع الكأس اليوم، وإنما من يستطيع أن يجعل ناصر الرواحي هدافًا، وحسين الشحري مشروع لاعب دولي، والمخيني جدارًا، ومجموعة من الوجوه الجديدة جزءًا طبيعيًا من هوية المنتخب.

وهذا بالضبط ما يجعل «الأحمر» في عهد السكتيوي جديرًا بالمراقبة:

إنه لا يبني منتخب بطولة… بل يحاول بناء منتخب مرحلة.