عادل الحمداني يكتب للشبيبة: الطيران العُماني وطيران السلام.. الوجه الآخر لتجربة السفر

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠١/أكتوبر/٢٠٢٦ ١٠:٣١ ص
عادل الحمداني يكتب للشبيبة: الطيران العُماني وطيران السلام.. الوجه الآخر لتجربة السفر
عادل الحمداني

بقلم : عادل الحمداني – كاتب وإعلامي

       يكاد لا يمر يوم دون أن نقرأ خبرًا أو تعليقًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات تقييم شركات الطيران، يتناول تجربة أحد المسافرين مع الطيران العُماني أو طيران السلام؛ إذ أصبحت تجارب السفر من أكثر الموضوعات حضورًا في نقاشات العملاء.

       ورغم أن هذه النوافذ الإلكترونية تعكس جانبًا من مشاعر المسافرين وانطباعاتهم، فإنها لا تقدّم صورة شاملة لآراء الغالبية. فغالبًا ما يكون من واجه مشكلة أكثر استعدادًا للتعبير عن تجربته، في حين يظل من مرّت رحلته بسلاسة صامتًا، مكتفيًا بالوصول إلى وجهته في الوقت المحدد دون تعليق. 

       من السهل أن نُطلق أحكامًا عامة، فنقول إن هذه الشركة سيئة وتلك جيدة أو أكثر سوءًا. ولعل معظمنا مرّ بتجربة واحدة على الأقل مع إحدى رحلاتهما تركت في نفسه شعورًا بالامتعاض. غير أن لتجربة السفر وجهًا آخر لم نسعى لاكتشافه أو التمعن في ملامحه، فبات بعضنا مقتنعًا بما يُكتب ويُقال عن الشركتين دون تدقيق. لقد قمت بمطالعة ما ورد في منصات التقييم، فوجدت جانبًا من الصورة، لكنه في الوقت ذاته دفعني إلى طرح سلسلة من التساؤلات والبحث عن إجاباتها.

       المسافر اليوم لم يعد ينظر إلى رحلة الطيران باعتبارها تذكرة ومقعدًا فحسب، بل يبحث في الأسعار، ويطالع المراجعات، ويقارن تجارب الآخرين، ويتحقق من شروط الأمتعة وراحة المقاعد. وبعبارة أخرى، لم يعد اهتمامه منصبًا على كم سيدفع، وإنما على ما سيحصل عليه مقابل ما يدفعه.

       وتكشف مراجعات المسافرين عن جوانب متعددة من تجربة السفر مع الناقلين العُمانيين، لكنها لا ترسم صورة مطلقة بالأبيض والأسود. فهي تجمع بين الإشادة والانتقاد، الأمر الذي يجعل التعامل معها بحاجة إلى قراءة متأنية، وليس تحويلها إلى أحكام عامة.

       في تجربة الطيران العُماني، تبرز الضيافة والخدمة على متن الطائرة ضمن الجوانب التي تحظى بإشادة، وهو ما تدعمه أيضا مؤشرات خارجية؛ ففي عام 2025 حصلت الشركة على جائزتي APEX لأفضل خدمة مقصورة وأفضل طعام وشراب في الشرق الأوسط، وهما جائزتان استندتا إلى تقييمات المسافرين. كما حصلت الشركة في عام 2026 على جائزة APEX لأفضل راحة مقعد في الشرق الأوسط.

       وفي جانب آخر، تشير بيانات الشركة إلى أن الطيران العُماني نقل نحو 5.8 مليون مسافر في 2025، بزيادة قدرها 8% مقارنة بعام 2024، وأن 64% من المسافرين كانوا ضمن حركة السفر من نقطة إلى نقطة، مع نمو هذه الفئة بنسبة 34% على أساس سنوي.

       في المقابل، يُظهر الوجه الآخر للصورة تجارب بعض المسافرين المتعلقة بالتأخير أو تغيير مواعيد الرحلات، وكذلك صعوبة متابعة بعض المعاملات عند حدوث مشكلة. ومع ذلك، فإن هذه الملاحظات لا يمكن اعتبارها دليلًا قاطعًا على أن الطيران العُماني أكثر تأخيرًا من غيره، ولا يمكن تحويل هذه التجارب إلى حكم على أداء الشركة ككل، خصوصًا أن التأخير والإلغاء ومشكلات الأمتعة ظواهر تواجه قطاع الطيران عمومًا.

       وتؤكد بيانات هيئة الطيران المدني هذا الامر، فقد سجلت الهيئة خلال عام 2025 عدد 781 شكوى في قطاع النقل الجوي، منها 210 شكاوى بشأن تأخر الرحلات، و132 بشأن الإلغاء، و145 مرتبطة بتأخر الأمتعة أو فقدانها أو تلفها. وهذه الأرقام تشمل الناقلات الوطنية والأجنبية ضمن نطاق منظومة حماية حقوق المسافرين في سلطنة عُمان.

       كما تبرز أيضًا ملاحظات تتعلق بآلية التعامل مع العملاء عند حدوث مشكلة، مثل صعوبة الوصول إلى خدمة العملاء، وبطء الرد على الرسائل، وتعقيدات مرتبطة باسترداد الأموال. هذه الملاحظات تشير إلى فجوة بين جودة المنتج الجوي على متن الطائرة وبين مستوى الخدمة الأرضية. 

       ومن باب الإنصاف، فإن المسألة أكثر تعقيدًا من مجرد القول إن جودة الخدمة على متن الطائرة جيدة أو سيئة؛ فالتجربة تبدأ قبل الصعود إلى الطائرة، وتستمر حتى وصول المسافر ومعالجة أي مشكلة قد تواجهه.

       ماذا عن طيران السلام؟

       تبدو تجربة طيران السلام مختلفة بحكم طبيعة عمل الشركة وفق نموذج الناقل الاقتصادي. وقد نجحت بالفعل في ترسيخ حضورها عبر توفير خيارات سفر بأسعار تنافسية، وتوسيع شبكة وجهاتها لتصبح عنصرًا مهمًا في سوق النقل الجوي العُماني. 

       وفي جانب الالتزام بالمواعيد، أظهرت بيانات الشركة أن معدل الالتزام بالمواعيد في عام 2025 بلغ نحو 81%، غير أن هذا المعدل تراجع في الربع الأول من العام الجاري إلى نحو 65%، متأثرًا بعوامل خارجية مثل إغلاق بعض المطارات، وقيود المجال الجوي، وتحويلات تشغيلية للطائرات نتيجة التطورات الإقليمية.

       هذا التراجع يثير تساؤلًا أوسع حول القيمة الفعلية للرحلة الاقتصادية: هل تبقى التذكرة الرخيصة رخيصة عند النظر إلى الصورة الكاملة؟.

       فالإجابة لا ترتبط بسعر التذكرة الأساسي فحسب، وإنما بتكلفة الرحلة كاملة. ففي نموذج الطيران الاقتصادي، تكون التذكرة الأولية أقل تكلفة، لكن العديد من الخدمات الإضافية تُقدّم برسوم منفصلة. وهنا تنشأ فجوة بين توقعات المسافر وطبيعة المنتج الجوي الذي يحصل عليه. ومع ذلك، يبقى الاطلاع على المعلومات عنصرًا حاسمًا في التجربة؛ فكلما عرف المسافر ما يشمله وما لا يشمله، أصبح أكثر قدرة على تقدير التكلفة الحقيقية واتخاذ قراره على أساس واضح. وهذه الإشكالية لا تخص طيران السلام وحده، فهي تمثل تحديًا عالميًا أمام جميع شركات الطيران منخفضة التكلفة. 

       وتظهر في المقابل شكاوى تتعلق بالأمتعة، أو التواصل بشأنها، أو صعوبة الحصول على إجابات واضحة عند حدوث مشكلة، إضافة إلى مقارنات يجريها بعض المسافرين مع شركات الطيران كاملة الخدمات.

        هذه المقارنات تكشف عن فجوة في التوقعات؛ إذ يتوقع البعض خدمات مجانية مثل حقيبة مشمولة، ووجبة ومشروبات، واختيار مقعد دون رسوم، ومرونة في تغيير الحجز، وخدمة أرضية بمستوى الشركات التقليدية. ولا ينتبه بعض العملاء إلى أن نموذج الطيران الاقتصادي يقتضي أن تكون هذه الخدمات اختيارية ومدفوعة، وهو ما يستدعي وعيًا أكبر من جانب المسافر لتقييم التجربة وفق طبيعة المنتج المعلن.

       هكذا يتضح أن الطيران العُماني وطيران السلام يقدمان نموذجين مختلفين لتجربة السفر، ولا يصح إخضاعهما لمعيار واحد. فالأول يقدّم منتجًا تقليديًا متكامل الخدمات، بينما يقوم الثاني على نموذج الناقل الاقتصادي. ووفق هذا الأمر، تختلف توقعات المسافر وتفاصيل المنتج في الحاليتن.

       لكن هناك نقطة مشتركة بينهما: قد تكون جودة الرحلة ممتازة حتى اللحظة التي تقع فيها المشكلة؛ وعندها تبدأ اللحظة الأكثر حساسية في تجربة المسافر: كيف ستتعامل الشركة معها؟.

        ومن هنا، فإن ما أكثر ما تحتاج إليه الجهات المعنية هو الإفصاح الدوري عن مؤشرات الأداء: معدلات الالتزام بالمواعيد، وحجم الشكاوى، ونسب معالجتها، والمدة التي تستغرقها الاستجابة. من شأن ذلك أن يعزز الشفافية، ويمنح صورة أكثر واقعية، وبالتالي رفع مستوى الثقة تجاه الناقلين الوطنيين.

       وفي النهاية، تبقى إدارة اللحظة الصعبة ومعالجة الطوارئ هي الاختبار الحقيقي لجودة تجربة السفر. فمعرفة كيف تعاملت الشركة عندما لم تسر الرحلة كما ينبغي، تُظهر لنا الصورة الحقيقية، بعيدًا عن أرقام التذاكر وحجم الرحلات وأعداد المسافرين.