عادل الحمداني يكتب للشبيبة: نادي الإعلاميين.. حلم يبحث عن مكان (2 – 2)

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٢٤/سبتمبر/٢٠٢٦ ٠٠:٣٦ ص
عادل الحمداني يكتب للشبيبة: نادي الإعلاميين.. حلم يبحث عن مكان (2 – 2)
عادل الحمداني

بقلم : عادل الحمداني – كاتب وإعلامي

       أعود مجددًا للحديث عن فكرة إنشاء نادٍ خاص بالإعلاميين، تلك الفكرة التي قد تدفع البعض إلى التساؤل: لماذا الحديث عنها الآن؟. والجواب في تقديري يرتبط بما يمر به الإعلام نفسه من تحولات متسارعة، ربما لم يشهدها في تاريخه بالسرعة التي نشهدها اليوم. فالثورة الرقمية غيّرت الأدوات، وأعادت تشكيل المهنة، ووسعت حدودها، وصنعت تخصصات جديدة، وغيّرت العلاقة بين الإعلام والجمهور.

       وإذا كان الإعلامي في الماضي يعمل في إطار أساليب مهنية تقليدية تتناسب مع تلك المرحلة، فإنه اليوم يشهد تحولات جذرية غيّرت من أدوات عمله. فلقد أصبح الوصول إلى المعلومات وإنتاجها يتم عبر منظومة رقمية متسارعة ومتداخلة. وأصبح الإعلامي يتعامل مع منصات رقمية متجددة، ويوظف تقنيات متقدمة، ويقدم مادته عبر وسائط متنوعة، فيما أصبح صانع المحتوى جزءًا من المشهد الإعلامي. وفي خضم هذه التحولات المتسارعة، دخل الذكاء الاصطناعي إلى تفاصيل كثيرة من العملية الإعلامية ليغدو عنصرًا مهمًا في العملية الإعلامية. 

       في ظل هذا التحوّل، أعتقد أن الإعلاميين بحاجة إلى مساحة موازية لمؤسساتهم، تتيح لهم تجريب أفكارهم، وتوثيق ذاكرتهم المهنية، ومناقشة مستقبل المهنة. وفي الوقت ذاته، لا ينبغي أن نغفل أن الجيل الجديد الذي يدخل المهنة كل يوم يفتقر إلى التواصل المباشر مع الجيل المخضرم، ما يجعله بحاجة إلى الاستفادة من الخبرات والإطلاع على التجارب السابقة. 

       ولكن هنا يبرز سؤال آخر: وماذا عن المؤسسات القائمة حاليا؟ ألا تقوم وزارة الإعلام والمؤسسات الإعلامية وجمعية الصحفيين العُمانية بالكثير من هذه الأدوار؟. هذا أمر لا يمكنني تجاهله في سياق هذا الحديث، ففكرة النادي التي أطرحها هنا لا تقوم على منافسة هذه المؤسسات أو القيام بأدوارها.

       على العكس تمامًا. أتخيل النادي باعتباره مساحة تكمل ما هو قائم، ولا تكرر أدواره. فالمؤسسة الإعلامية لها مسؤولياتها، والجمعية لها أدوارها المهنية، بينما يمكن للنادي أن يتحرك في مساحة أكثر مرونة، وأن يركز على ما يمكن أن يفعله الإعلاميون خارج مؤسساتهم، في فضاء حرّ يتيح لهم التعلم والتجريب وتبادل الخبرات. يمكن لهذا النادي أن يتحول من مكان للقاء إلى مساحة لصناعة أفكار جديدة.

       وبينما تضطلع الجمعية بالدفاع عن حقوق منتسبيها وتطوير بيئتها التنظيمية، يمكن للنادي أن يشكل منصة مهنية تستوعب مختلف العاملين والمهتمين بالإعلام والإنتاج الإبداعي. فالجمعية تمثل المهنة في إطارها المؤسسي، بينما يجسد النادي المجتمع الإعلامي بتفاعلاته اليومية وشبكاته المهنية. ومن هنا تتكامل الأدوار؛ جمعية تدافع عن الحقوق والمصالح، ونادي يوفّر بيئة للتطوير المهني، واكتشاف المواهب، وتعزيز الشراكات.

       وإذا رأى هذا المشروع النور، فسيكون قادرًا على بناء منظومة إعلامية تستند إلى الخبرة، وتواكب التحولات، وتستشرف المستقبل.

       ولأن الإعلام مهنة تتغير كل يوم، فمن الضروري أن يواكب الإعلامي التطورات التقنية والفكرية إذا أراد أن يظل فاعلًا فيها. هنا يمكن للنادي أن يجعل من التدريب منصة قائمة على التجربة والإنتاج، لا مجرد دورة تقليدية. كما يمكنه أن يوفّر مكتبة متخصصة، وقاعدة بيانات معرفية، وفضاءً لتبادل المعرفة دون حواجز بين أصحاب الخبرات والمستجدين على المهنة.

        المسار الآخر الذي يمكن للنادي أن يعمل من خلاله يرتبط بحقيقة أن الإعلام صناعة متكاملة تحتاج إلى الخيال والابتكار، وتجربة الأفكار الجديدة، وإطلاق المشاريع التجريبية، واختبار الأدوات الرقمية والتقنيات الحديثة. وهنا يمكن للنادي أن يمنح الأفكار فرصة التجربة، وتوفير بيئة تسمح باختبارها قبل أن تتلاشى.

       ويمكن للنادي أن يفتح المجال للحوار وتبادل الرؤى وطرح الأسئلة ومناقشة مختلف القضايا والتحديات، ليكون بمثابة عقل جماعي يفكر في مستقبل الإعلام، ويتيح التحدث بحرية، ومشاركة التجارب، والبحث عن حلول مشتركة. بهذا الشكل، سيقدم النادي خطابًا إعلاميًا أكثر نضجًا وعمقًا. 

       وكما أوضحت في المقال السابق، فإن وجود هذا النادي من شأنه أن ينقل خبرات الإعلاميين المخضرمين الذين تقاعدوا أو انتقلوا إلى مجالات أخرى. هؤلاء يحملون ذاكرة مهنية غنية وتجارب لا تُقدر بثمن، فماذا لو أصبح النادي المكان الذي يمكن أن نستعيد فيه هذه الذاكرة، والاستفادة من تلك التجارب؟. تخيلوا إعلامي مخضرم يتحاور مع مجموعة من الإعلاميين الشباب، ويتحدث إليهم عن تجربته، وعن التحولات التي عاشها، وعن المواقف التي شهدها، وعن الأخطاء التي تعلم منها، وعن التفاصيل الصغيرة التي قد لا يلتفت إليها أحد. 

       أتصور أن تلك اللقاءات يمكن أن تتحول إلى مواد أرشيفية، وشهادات شفوية، وكتب، وأفلام وثائقية. في هذه الحالة ستتحول الخبرة الفردية إلى ذاكرة جماعية تُبنى عليها المهنة، وتكون أساسًا للتطوير والتحديث. وفي المقابل، يستطيع الجيل الجديد أن يقدّم معرفته بأدوات العصر، والمنصات الرقمية، والتقنيات الحديثة، فتكون الفائدة متبادلة بين الطرفين، وتكون المعرفة تنتقل في اتجاهين.

       غير أن النادي كما أتخيله الآن لا ينبغي أن ينحصر في قاعة تدريب، فالفكرة الأهم، أن يصبح النادي مجتمعًا مهنيًا حيًا يتفاعل أعضاؤه مع بعضهم، ويصنعون علاقات خارج حدود الوظيفة والمؤسسة.

       وهناك جانب آخر هو أكثر ارتباطًا بالإنسان الذي يقف خلف المهنة. فالإعلامي الذي يقضى ساعات طويلة ومرهقة في عمله، يحتاج إلى مساحة للراحة وأنشطة ثقافية وفنية واجتماعية يتنفس فيها. ومن هنا يأتي دور النادي، من خلال إقامة الأمسيات الأدبية والفنية، واللقاءت الثقافية، والفعاليات الأسرية، والأنشطة الرياضية، والبرامج الترفيهية، وفي مقهى النادي يلتقي الإعلامي بزملائه، وفي صالة القراءة يختلي بكتاب.

       ولجعل النادي أكثر اتساعًا من مجرد تجمع يمكن وضع نظام يحدد طبيعة العضوية، مثل العضو المهني لممارسي المهنة الحاليين، والعضو المنتسب لطلاب الإعلام وحديثي التخرج، والعضو المهني المتقاعد، والعضو الفخري للذين قدموا إسهامات للإعلام، وعضوية للمؤسسات الإعلامية الحكومية والخاصة، والعضو الشريك للخبراء والتقنيين والمختصين المرتبط عملهم بالإعلام. وحتى لا يكون النادي مجرد عضوية لا تقدم إضافة، يمكن أن تتبع هذه العضوية بعض المزايا المهنية والاجتماعية والتجارية من خلال جملة من الشراكات.

       هذا الشكل الذي أتخيله يجعل من النادي بيتًا مشتركًا، يمنح الإعلامي شعورًا بالانتماء، ويتيح له تجديد نشاطه، ويعزز الروابط بين الإعلاميين. ولا يتوقف دور النادي عند جانب الترفيه، بل يمكن أن يقدّم أيضًا دورًا توعويًا للإعلاميين والمجتمع، ليصبح مؤسسة تساهم في رفع الوعي الإعلامي العام، وتدعم العلاقة بين الإعلام والمجتمع.

       قد تبدو هذه الأمور بسيطة، لكنها بالفعل ما نفتقده نحن الإعلاميين، ونمني النفس بأن تكون مساحتنا الخاصة بعد ساعات العمل الطويلة، والجهد الذهني الذي يستنزف منا الكثير.

       إنني أتمنى أن ترى هذه الفكرة النور، فمجتمعنا المهني بحاجة فعلًا لهذا النادي، في هذا الوقت تحديدًا.