الدكتور صادق حسن اللواتي يكتب للشبيبة: بين الإشراف والملكية: هل تكفي المراسلات لتغيير سند العقار؟

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٢٣/سبتمبر/٢٠٢٦ ١٩:٠٧ م
الدكتور صادق حسن اللواتي يكتب للشبيبة: بين الإشراف والملكية: هل تكفي المراسلات لتغيير سند العقار؟
الدكتور صادق حسن اللواتي

بقلم : الدكتور صادق حسن اللواتي

 

قد تبدو بعض الإجراءات المتعلقة بالعقارات المخصصة للأغراض الدينية والاجتماعية إجراءات إدارية عادية، تتصل بتغيير الاستعمال أو استكمال المعاملات بين الجهات الرسمية، إلا أن الأمر يتخذ بُعدًا مختلفًا عندما يترتب على هذه الإجراءات تغيير في سند الملكية أو في الجهة المسجل العقار باسمها. فهنا لا يعود السؤال متعلقًا بتنظيم الاستعمال فحسب، وإنما يصبح سؤالًا عن الملكية والاختصاص وحدود السلطة والإجراء الذي يسمح قانونًا بإحداث هذا التغيير. 

 

وهذه المسألة تستحق التوقف عندها، خصوصًا عندما يكون العقار مرتبطًا بوقف أو مخصصًا لغرض ديني أو اجتماعي؛ لأن الجهة التي تتولى الإشراف على نشاط أو مرفق معين ليست بالضرورة هي الجهة المالكة للعقار، كما أن الجهة التي تنظم استعماله أو تمنح الترخيص لا تصبح، بمجرد ممارسة هذا الاختصاص، صاحبة حق في ملكيته. فالملكية شيء، والإشراف شيء آخر، والإدارة أو النظارة شيء، والترخيص وتغيير الاستعمال شيء آخر. ولكل صفة أساسها القانوني وحدودها وآثارها .

 

ومن هنا ينبغي وضع قاعدة واضحة أمام أي إجراء من هذا النوع: تغيير استعمال العقار لا يعني تغيير مالكه. فقد يتحول العقار من استعمال سكني إلى استعمال ديني أو اجتماعي، بينما تبقى الملكية على حالها. وقد تنتقل مسؤولية الإشراف أو الإدارة من جهة إلى أخرى دون أن يعني ذلك انتقال ملكية العقار. أما إذا وصل الأمر إلى تغيير اسم المالك في السجل العقاري أو إصدار سند ملكية باسم جهة أخرى، فنحن أمام مسألة تتعلق بأصل الحق، وليست مجرد خطوة تنظيمية .

 

وتزداد حساسية الأمر إذا كان العقار وقفًا. فالنظام الأساسي للدولة لم يتعامل مع الوقف بوصفه شأنًا إداريًا عابرًا، بل نص في المادة (15) على أن الدولة "تشجع نظام الوقف، وتضمن استقلاله، وتدار شؤونه وفقا لشروط الواقف، وذلك على النحو الذي يبينه القانون" . وهذا النص يضع الوقف في إطار قانوني خاص، ويؤكد أن استقلاله وشروط الواقف وإدارة شؤونه ليست مسائل هامشية يمكن تجاوزها بمجرد إجراء إداري .

 

كما أن النظام الأساسي للدولة قرر في المادة (14) مبدأ بالغ الأهمية حين نص على أن «الملكية الخاصة مصونة، فلا يمنع أحد من التصرف في ملكه إلا في حدود القانون، ولا ينزع عن أحد ملكه إلا بسبب المنفعة العامة، وفي الأحوال المبينة في القانون، ومقابل تعويض عادل». والمغزى الواضح لهذا النص أن الملكية ليست مركزًا قانونيًا يمكن المساس به بمجرد إجراء إداري غير مستند إلى أساس قانوني، وإنما هي حق تحيطه الحماية الدستورية، ولا يجوز الحد منه إلا في الحدود التي يقررها القانون .

 

 

ومن هنا تبرز المسألة الأكثر إثارة للتساؤل: إذا أدى إجراء إداري إلى تغيير سند ملكية عقار أو تسجيله باسم جهة أخرى، فما هو الأساس القانوني الذي يسمح بهذا التغيير؟ وهل تكفي المراسلات الرسمية المتبادلة بين جهات حكومية لإحداث أثر في ملكية عقار يعود إلى شخص أو جهة أخرى؟

 

لا شك أن المخاطبات الرسمية بين الجهات الحكومية جزء أساسي من العمل الإداري؛ فهي وسيلة للتنسيق وتبادل المعلومات واستكمال الإجراءات وتحديد المسؤوليات. لكن يجب التمييز بين المراسلة باعتبارها أداة للتنسيق، وبين اعتبارها بذاتها سندًا منشئًا أو ناقلًا لحق الملكية. فالمراسلات قد تطلب اتخاذ إجراء، أو تنسق بين جهتين، أو توضح موقفًا إداريًا، لكنها لا ينبغي أن تصبح بديلًا عن السند القانوني الذي يجيز نقل الملكية أو تعديلها، ويحدد الجهة المختصة والآلية الواجب اتباعها .

 

وهنا يطرح الأمر سؤالًا لا ينبغي تجاوزه: كيف يمكن أن يتغير سند ملكية عقار استنادًا إلى مراسلات متبادلة بين جهات رسمية، بينما صاحب السند أو صاحب الحق في العقار ليس طرفًا في تلك المراسلات؟

 

إن طرح هذا السؤال لا يعني تعطيل العمل الحكومي، ولا يعني أن موافقة المالك أو حضوره شرط في كل إجراء يتعلق بالعقار؛ فهذه مسائل يحددها القانون بحسب طبيعة الإجراء والعقار. لكن ثمة فرقًا جوهريًا بين إجراء ينظم استعمال العقار، وإجراء يمس أصل الملكية أو يغير الجهة المسجل العقار باسمها. ففي الحالة الثانية يصبح من الضروري معرفة السند القانوني الذي يجيز هذا التغيير، والجهة التي تملك صلاحية إجرائه، والضمانات التي قررها القانون لصاحب الحق .

 

والأهم أن صاحب الحق، عندما يكون الإجراء ماسًا بمركزه القانوني، لا ينبغي أن يتحول إلى طرف غائب عن عملية تتم بين جهات رسمية ثم تظهر نتائجها في مواجهة حقه. فإذا كان القانون يوجب الإخطار أو المشاركة أو الموافقة أو تقديم مستندات معينة، فيجب اتباع ذلك. وإذا كان القانون يجيز اتخاذ الإجراء دون موافقته، فيجب أن يكون ذلك قائمًا على نص أو صلاحية واضحة. أما أن تحل المراسلات الداخلية بين الجهات محل الإجراء الذي قرره القانون، فهنا تبرز الحاجة إلى المراجعة والتدقيق .

 

وهذا ليس افتراضًا نظريًا؛ إذ إن فتوى منشورة لوزارة الشؤون القانونية تناولت مسائل تتصل بحماية الملكية الخاصة والتسجيل العقاري، وأكدت أن الحقوق العينية العقارية الأصلية، ومنها الملكية، لا تنشأ أو تنتقل أو تزول أو تتغير بين ذوي الشأن إلا وفق القواعد المتعلقة بالتسجيل، وأن تغيير البيانات المثبتة في السجل العقاري يكون وفق المستندات والإجراءات التي حددها القانون، مع إخطار من تغيرت حقوقه أو زالت وفقًا للأحكام المنظمة لذلك .

 

وهذه الإشارة مهمة لأنها تؤكد أن السجل العقاري ليس مجرد دفتر إداري يمكن تعديل بياناته بناءً على رغبة جهة أو مراسلة بينها وبين جهة أخرى، وإنما هو وعاء قانوني للحقوق العينية، والتغيير فيه ينبغي أن يستند إلى سبب قانوني وإجراء ومستندات معترف بها قانونًا. وهذه الفكرة تزداد أهمية في العقارات الوقفية، التي نظمها قانون الأوقاف وأحاطها بإطار خاص يتعلق بإنشائها وإدارتها وحمايتها .

 

ومن ثم، فإن المسألة ليست الاعتراض على تخصيص عقار لخدمة دينية أو اجتماعية، ولا على تغيير استعماله متى كان ذلك جائزًا قانونًا، وإنما تتعلق بسلامة الطريق الذي يُتخذ لتحقيق هذا الغرض. فقد يكون الهدف مشروعًا ومفيدًا، لكن مشروعية الهدف لا تعني تلقائيًا صحة كل وسيلة للوصول إليه ..

 

ولهذا فإن أي إجراء من هذا النوع ينبغي أن يبدأ بأسئلة واضحة: ما الصفة القانونية للعقار؟ من هو المالك أو صاحب الحق؟ هل العقار وقف؟ ومن هي الجهة صاحبة الولاية أو النظارة أو الإشراف؟ وما حدود اختصاصها؟ وهل المطلوب تغيير الاستعمال أم تغيير الملكية؟ وإذا كان المطلوب تغيير سند الملكية، فما السند القانوني الذي يجيز ذلك؟ ومن هي الجهة المخولة بإصداره؟ وهل تم التعامل مع صاحب الحق وفق الإجراء الذي يقرره القانون؟

إن وضع هذه الأسئلة في مقدمة المعاملة لا يعطل العمل الحكومي، بل يحميه. فوضوح الاختصاص يحمي الجهة الإدارية، ووضوح السند يحمي القرار، واحترام حقوق أصحاب

العلاقة يحمي المعاملة من النزاع، ويعزز الثقة في السجل العقاري وفي مؤسسات الدولة . 

 

وفي النهاية، فإن القضية ليست قضية مبنى ديني أو اجتماعي بعينه، وإنما قضية مبدأ في الإدارة وسيادة القانون: من يملك؟ ومن يشرف؟ ومن يدير؟ ومن يملك صلاحية تغيير السند؟ ومن هو الطرف الذي ينبغي مخاطبته عندما يمس الإجراء حقًا قائمًا؟ وما الأداة القانونية التي تمنح هذه الصلاحية؟

 

فالقاعدة التي ينبغي ألا تختلط: الإشراف لا يساوي الملكية، وتغيير الاستعمال لا يساوي نقل الملكية، والمراسلة الإدارية لا تساوي سند الملكية. وإذا كان الإجراء يمس أصل حق عيني قائم، فلا ينبغي أن يُختزل في تبادل المخاطبات بين الجهات، بل يجب أن يقوم على أساس قانوني واضح، وإجراء محدد، ومستند معتبر، مع حماية الحقوق التي قرر القانون حمايتها ..

 

إن احترام هذه القواعد لا يضعف الإدارة، بل يقويها؛ ولا يعطل القرار، بل يمنحه المشروعية والاستقرار. فالقوة الحقيقية للإجراء الإداري ليست في صدوره عن جهة رسمية فحسب، وإنما في استناده إلى الاختصاص الصحيح، والسند القانوني الصحيح، والإجراء الصحيح.