
مسقط - الشبيبة
بعد سنوات من محاولات نقل لعبة «ريزدنت إيفل» إلى الشاشة الكبيرة، تأتي النسخة الجديدة من السلسلة عام 2026 برؤية مختلفة، يقودها المخرج والمؤلف زاك كريغر، الذي اختار هذه المرة استلهام أجواء اللعبة وروحها بدلًا من إعادة تقديم تفاصيلها وشخصياتها كما هي.
وكانت أفلام «ريزدنت إيفل» السابقة قد سارت في اتجاهات مختلفة؛ إذ امتدت السلسلة إلى ستة أفلام منذ مطلع الألفية، وأسهمت في صناعة نجومية ممثلة الأكشن «ميلا يوفوفيتش»، لكنها لم تقدم روح اللعبة الأصلية بالشكل الذي انتظره محبوها. وفي عام 2021 جاءت محاولة أكثر جدية لإعادة إطلاق السلسلة من خلال فيلم «Welcome to Raccoon City»، إلا أن التجربة بدت أقرب إلى محاكاة للمواقف والتفاصيل الشهيرة من اللعبة، بإخلاص كبير للمصدر، لكن على حساب المتعة السينمائية والتكامل الدرامي.
ويقدم كريغر، المعروف بإخراجه فيلمي الرعب «Barbarian» عام 2022 و«Weapons» عام 2025، مقاربة مختلفة تمامًا، إذ كتب عملًا سينمائيًا أصليًا لا يرتبط بأي من الأفلام الستة السابقة، ولا يلتزم بتفاصيل وشخصيات اللعبة المعروفة، لكنه يستخلص منها أجواءها وأحاسيسها الأساسية.
بطل عادي في عالم ينهار
تدور الأحداث في أجواء سوداوية وغامضة حول بريان، الذي يؤدي دوره الممثل الشاب أوستن أبرامز، وهو مندوب توصيل عادي يتلقى مهمة روتينية تتمثل في إيصال صندوق يحتوي على شحنة طبية غامضة إلى مستشفى في راكون سيتي.
لكن المهمة تتحول خلال ليلة واحدة إلى مواجهة مع الجحيم؛ إذ يجتاح وباء غامض المدينة، وتنتشر المسوخ التي تنهش كل من يعترض طريقها، ليجد بريان نفسه بصورة مفاجئة أمام مسؤولية إنقاذ ما تبقى من البشرية أو تركها لمصير أسوأ.
ويكتسب الفيلم جزءًا من جاذبيته من طبيعة بطله، فهو لا يمتلك خبرة قتالية أو خلفية عسكرية أو قدرات خارقة، بل شخص عادي يجد نفسه في مواجهة ظروف تفوق قدراته.
حين تتحول اللعبة إلى فيلم
ينجح كريغر في استحضار روح لعبة «ريزدنت إيفل» من خلال جعل الأحداث تدور تقريبًا من منظور بريان، بما يجعل المتفرج في موقع يشبه اللاعب الذي اختار الشخصية وقرر خوض المغامرة معها.
وتحاكي البنية الدرامية تصاعد المراحل في ألعاب الفيديو، بدءًا من تحديات بسيطة ثم الانتقال إلى تحديات أكثر صعوبة وقسوة، فيما تتغير المواقع بوتيرة متقاربة، وكأن كل مكان يمثل مستوى جديدًا من مستويات اللعبة، بإيقاعه وخصومه ونبرته الخاصة.
وتنتقل فكرة التسلح، التي تمثل عنصرًا أساسيًا في تجربة اللعبة، إلى الفيلم بصورة تدريجية؛ فلا يحصل البطل على السلاح دفعة واحدة، وإنما يبدأ بمسدس صغير، ثم ينتقل إلى بندقية فردية، وصولًا إلى سلاح رشاش آلي. كما يظل عدد الطلقات المتبقية معه حاضرًا بوصفه عنصرًا من عناصر التوتر الدرامي، في محاكاة لشريط الذخيرة الذي يظهر في شاشة اللعبة.
وتقدم هذه التفاصيل ترجمة لآليات اللعب إلى لغة سينمائية، من دون أن تبدو دخيلة على العمل أو مجرد استعراض.
رعب مباشر وخضات متواصلة
يحفل الفيلم بمشاهد رعب تعتمد على تنشيط أدرينالين المتفرج، من خلال حركات كاميرا مباغتة ولقطات مركبة بعناية، تمنح المشاهد لحظات مفاجأة طبيعية، وهي معالجة تحمل بصمة كريغر التي ظهرت في «Barbarian» و«Weapons».
ورغم القتامة والعنف الشديدين اللذين يطبعان عددًا كبيرًا من مشاهد الفيلم، فإنه لا يخلو من جماليات بصرية واضحة، بينها مشهد يركض فيه بريان في أحد الشوارع الخلفية للمدينة ليلًا، بينما تتساقط الجثث من أسطح المباني من حوله.
ويقدم المشهد حالة بصرية مهيبة، رغم غموض معناه الدرامي المباشر، ويخلق إحساسًا كثيفًا بالرهبة تجاه ليل راكون سيتي المنكوبة، ليصبح من اللقطات التي تختصر الهوية البصرية للفيلم.
ليلة واحدة في 90 دقيقة
تجري أحداث الفيلم بالكامل خلال ليلة واحدة، تبدأ مع تكليف بريان بمهمته وتمتد حتى لحظة الحسم في فجر اليوم التالي، فيما يضغط كريغر هذه الأحداث ضمن مدة سينمائية لا تتجاوز 90 دقيقة.
ويعتمد الفيلم على تكثيف الأحداث والانتقالات السلسة، مع إيقاع سريع يتخلله بعض التوقف المحسوب الذي يمنح المتفرج فرصة لالتقاط أنفاسه.
ويسهم الاعتماد شبه الكامل على وجهة نظر بريان في جعل الفيلم أقرب إلى عرض أحادي للممثل أوستن أبرامز، بينما تظهر الشخصيات الثانوية، ومن أبرزها الشخصية التي يؤديها الممثل بول والتر هاوزر، بصورة عابرة.
ويقدم أبرامز أداءً مقنعًا يجسد من خلاله رحلة شاب عادي يجد نفسه في مواجهة أحداث تفوق قدرته على الاحتمال.
ويحسب للسيناريو، الذي كتبه كريغر بالاشتراك مع شاي هاتن، نجاحه في الربط بين أزمة بريان الشخصية والتحدي الجماعي الذي يواجهه. فبداية رحلته تتزامن مع مشهد توتر مع خطيبته، يكشف عن شخص متردد لا يجيد تحمل المسؤولية أو اتخاذ قرار مصيري في حياته العاطفية، قبل أن يجد نفسه بعد دقائق الشخص الوحيد المسؤول عن مصير العالم بأسره.
وتستند هذه الفكرة إلى معالجة معروفة في أفلام الرعب، إلا أن كريغر يوظفها هنا بوصف أحداث الليلة التي يمر بها بريان نوعًا من التطهير الذي يجبره على مواجهة عيوبه.
ورغم احتدام الأحداث والحفاظ على التوتر طوال معظم مدة الفيلم، تتخلل العمل لحظات من الفكاهة والطرافة، بما يحقق توازنًا بين الرعب والكوميديا الخفيفة من دون أن يفقد التوتر تأثيره.
صورة سينمائية تخدم أجواء اللعبة
يشكل التصوير والإضاءة أحد أبرز عناصر الفيلم، بفضل مدير التصوير المخضرم داريوش فولسكي، الذي سبق أن قدم أعمالًا بصرية لافتة في أفلام مثل «قراصنة الكاريبي» و«برومثيوس» و«ذا مارشيان».
ويمنح فولسكي الفيلم مظهرًا سينمائيًا غنيًا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على صلته بأجواء اللعبة، خصوصًا من خلال استخدام لقطات منظور الشخصية (POV)، التي تجعل الكاميرا بمثابة عين بريان خلال مغامرته الليلية.
كما تبرز الإضاءة في المشاهد الليلية، لا سيما في مشاهد الغيوم الثلجية على أطراف المدينة، لتضيف إلى أجواء الفيلم المشحونة.
نهاية مفتوحة تترك الباب للأجزاء المقبلة
تتمثل إحدى الملاحظات على الفيلم في نهايته، التي لا تأتي حاسمة بالكامل، بل تترك الباب مفتوحًا أمام مستقبل السلسلة، بما يبدو تمهيدًا لأجزاء لاحقة أكثر من كونه إغلاقًا دراميًا كاملًا لقصة بريان.
ويظل هذا الخيار مفهومًا من الناحية التجارية، لكنه يقلل بدرجة محدودة من الأثر النهائي لرحلة استمرت 90 دقيقة من المعاناة.
إلا أن المشهد الذي يسبق النهاية يمنح رحلة بريان الشخصية قدرًا من الاكتمال؛ إذ يظهر وكأنه استوعب الدرس الذي دفع ثمنه طوال تلك الليلة، وانتقل من شخص عاجز عن اتخاذ القرار إلى رجل قادر على تحمل المسؤولية الكاملة.
وبذلك تكتمل رحلة بريان العاطفية والدرامية بمعزل عن مصير الحبكة الأساسية، فيشعر المتفرج بأن عقدة البطل قد انتهت، حتى وإن بقيت عقدة العالم مفتوحة على احتمالات متعددة.
فيلم يحمل بصمة مخرجه
في النهاية، يحتفظ الفيلم بوضوح ببصمة زاك كريغر كمخرج وكاتب، إذ لا يبدو مجرد عمل مقتبس من مصدر معروف لأغراض تجارية، بل يحمل رؤية شخصية تتناسب مع مساره الفني منذ «Barbarian».
ويبدو أن كريغر اختار تقديم فيلم ينتمي إلى أسلوبه الخاص، لكنه وضع عليه اسمًا أكثر جماهيرية وتجارية، مستفيدًا من عالم «ريزدنت إيفل» لتقديم تجربة سينمائية تستلهم روح اللعبة دون أن تكون أسيرة تفاصيلها.