
صلالة - علي باقي
تشكل الفعاليات المرتبطة بالثروة الحيوانية في محافظة ظفار فرصة مهمة ليس فقط للاحتفاء بالموروث العُماني الأصيل، وإنما أيضًا للتفكير في آفاق تطوير هذا القطاع وتعظيم مردوده الاقتصادي، بما يواكب توجهات التنمية المستدامة وتعزيز الاستفادة من الموارد المحلية المتاحة، وجمعت الفعاليات المرتبطة بهذا الموروث حضورا لافتا من ملاك الإبل والمهتمين فيها والمشاركين سواء في مسابقات المحالبة او المزاينة مما أظهرت حجم الاهتمام الذي تحظى به الإبل باعتبارها جزءا أصيلا من الثقافة والتراث والارث العماني .
التقت الشبيبة بالفاضل مسلم بن أحمد تبوك عضو لجنة سباقات الهجن والمحالبة والمزاينة بولاية صلالة والذي تحدث للشبيبة قائلا : شهدت خلال الاسابيع الماضية محافظة ظفار وعلى مدى ثلاثة أيام متتالية أحدى المسابقات المحلية وهي مهرجان صلالة للمحالبة والمزاينة من خلال 6 حلبات صباحية ومسائية، وبمشاركة ثلاثة أصناف من الابل ، فيما بلغ عدد الإبل المشاركة نحو 381رأسًا، في مؤشر يعكس اتساع قاعدة المهتمين بهذا النشاط وحضور الثروة الحيوانية في المشهد الاجتماعي والاقتصادي وحتى السياحي كونه تزامن مع موسم الخريف بالمحافظة.
من الموروث إلى القيمة الاقتصادية
وأكد تبوك على ابراز أهمية مثل هذه الفعاليات في قدرتها على فتح نقاش أوسع حول كيفية الانتقال بالثروة الحيوانية من كونها ثروة ذات قيمة تراثية واجتماعية إلى قطاع إنتاجي أكثر كفاءة وقدرة على توليد الدخل ، فالثروة الحيوانية بما تمتلكه من إمكانات يمكن أن تشكل مصدرًا مهمًا للدخل إذا ما جرى التركيز على رفع الإنتاجية وتحسين جودة المنتجات وتطوير عمليات التصنيع والتسويق، بدل أن ينحصر الاهتمام في زيادة أعداد الحيوانات
وتقدم مسابقة الحليب نموذجًا واضحًا على هذه الإمكانات، إذ شهدت المنافسات حلب الإبل على مدى ثلاثة أيام، وبلغت كمية الحليب المنتجة نحو 18 ألف لتر ، الإنتاجية التي يمكن البناء عليها لتطوير منتجات محلية ذات قيمة اقتصادية ومن هنا، فإن تطوير منتجات الحليب ومشتقاته، إلى جانب اللحوم وغيرها من المنتجات الحيوانية، يمكن أن يفتح مجالات جديدة أمام المشروعات الصغيرة والمتوسطة والأسر المنتجة ومربي الثروة الحيوانية، ويحول المنتجات المحلية إلى مصادر دخل مستدامة، فضلًا عن دعم الأسواق المحلية وتعزيز مفهوم الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي.
تعظيم الاستفادة بدلًا من التركيز على زيادة الأعداد
وأضاف تبوك مع تنامي الثروة الحيوانية في محافظة ظفار، تبرز فرصة مهمة لإعادة النظر في مفهوم تنمية هذا القطاع، بحيث لا يرتبط التطور فقط بزيادة أعداد الماشية، وإنما بمدى قدرتها على تحقيق إنتاجية وعائد اقتصادي أفضل ، ويأتي ذلك من خلال تشجيع المربين على تبني أساليب حديثة في التربية والتغذية والرعاية الصحية، وتحسين السلالات والإنتاج، والاستفادة المثلى من المنتجات الحيوانية، إلى جانب توفير قنوات تسويقية أكثر تنظيمًا
كما يمكن أن تسهم برامج الإرشاد والتدريب والدعم الفني والتمويل في مساعدة المربين على تطوير مشاريعهم وتحويل تربية الماشية إلى نشاط اقتصادي أكثر استدامة، بحيث يصبح المربي قادرًا على تحقيق دخل من الثروة التي يمتلكها، مع المحافظة في الوقت نفسه على قيمتها التراثية.
استدامة المراعي.. مسؤولية مشتركة
وحث تبوك على أهمية المسؤولية المشتركة قائلا : ينفصل الجانب الاقتصادي عن الجانب البيئي، فمحافظة ظفار تتميز بخصوصية طبيعية ومراعي تمثل موردًا مهمًا للثروة الحيوانية، الأمر الذي يجعل المحافظة عليها واستدامتها عنصرًا أساسيًا في مستقبل القطاع ، ومع تزايد أعداد الثروة الحيوانية بمختلف أنواعها، تبرز أهمية إدارة المراعي بصورة تضمن التوازن بين احتياجات الحيوانات وقدرة البيئة الطبيعية على التجدد وفي هذا الإطار، يمكن تعزيز برامج تنظيم الرعي، وتطوير إدارة المراعي، وتشجيع استخدام الأعلاف المكملة والمصادر البديلة في الفترات التي تكون فيها المراعي أقل قدرة على تلبية احتياجات الثروة الحيوانية، بما يسهم في تخفيف الضغط على الغطاء النباتي والحد من آثار الرعي الجائر ، كما يمكن أن تكون الحوافز وبرامج الدعم وسيلة فاعلة لتشجيع المربين على تبني ممارسات أكثر استدامة، بحيث يرتبط تطوير الإنتاج بالمحافظة على الموارد الطبيعية، ويصبح المربي شريكًا أساسيًا في حماية البيئة وليس مجرد مستفيد من مواردها
فرصة لبناء سلسلة اقتصادية متكاملة
وتوفر الثروة الحيوانية في محافظة ظفار فرصة لبناء منظومة اقتصادية متكاملة تبدأ من التربية والإنتاج، مرورًا بالتصنيع والتعبئة، وصولًا إلى التسويق وفتح الأسواق. ويمكن للجهات المعنية والقطاع الخاص والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة ومربي الثروة الحيوانية العمل بصورة تكاملية لتطوير هذه المنظومة، من خلال إنشاء مشروعات لتجميع وتصنيع منتجات الحليب، وتطوير العلامات التجارية للمنتجات المحلية، وتحسين أساليب التعبئة والتسويق، والاستفادة من الفعاليات والمهرجانات التراثية في الترويج لهذه المنتجات
ومن شأن ذلك أن يخلق فرصًا اقتصادية جديدة، ويزيد من القيمة المضافة للثروة الحيوانية، ويوفر مصادر دخل للمربين، إلى جانب تعزيز حضور المنتجات المحلية في الأسواق
الحفاظ على الموروث وتطوير المستقبل
وتؤكد اقامة مثل هذه الفعاليات والمسابقات بأن المحافظة على الموروث لا تتعارض مع تطويره، بل إن استدامة الموروث تتطلب إيجاد قيمة اقتصادية واجتماعية تضمن استمراره وانتقاله إلى الأجيال القادمة، فالإبل والثروة الحيوانية عمومًا تمثل جزءًا من هوية المجتمع وموروثه، وفي الوقت ذاته يمكن أن تكون موردًا اقتصاديًا مهمًا إذا ما تمت إدارتها وفق رؤية تجمع بين الإنتاجية والاستدامة
ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة المقبلة يمكن أن تركز على تعظيم القيمة وليس زيادة العدد فقط، وتحسين الإنتاج وليس زيادة الاستهلاك، والاستثمار في الثروة بدل الاكتفاء بامتلاكها، مع الحفاظ على المراعي والطبيعة والموارد التي تقوم عليها هذه الثروة
إن تطوير قطاع الثروة الحيوانية في ظفار يمثل فرصة اقتصادية وبيئية وتراثية في آن واحد، فرفع إنتاجية الحيوانات، والاستفادة من منتجاتها، وتطوير الصناعات المرتبطة بها، ودعم المربين، وتنظيم الرعي، والمحافظة على المراعي، كلها مسارات يمكن أن تعمل بصورة متكاملة لبناء قطاع حيواني أكثر إنتاجية واستدامة
وبذلك يمكن أن تصبح الثروة الحيوانية مصدر دخل حقيقيًا ومستدامًا للمربي، ورافدًا للأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي، وفي الوقت ذاته وسيلة للمحافظة على الموروث الطبيعي والثقافي لمحافظة ظفار
فالمعادلة المستقبلية ليست في زيادة الثروة الحيوانية فحسب، وإنما في تعظيم قيمتها الاقتصادية، ورفع إنتاجيتها، وحماية البيئة التي تحتضنها لتظل ثروةً للأجيال، ومصدرًا للإنتاج والدخل، وجزءًا حيًا من هوية محافظة ظفار خاصة وسلطنة عمان عامة وموروثها العريق.