محمد محمود عثمان يكتب للشبيبة: القرصنة الأمريكية.. تتحدى العالم إلى متى؟

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ١٤/سبتمبر/٢٠٢٦ ١٦:٢٠ م
محمد محمود عثمان يكتب للشبيبة: القرصنة الأمريكية.. تتحدى العالم إلى متى؟
محمد محمود عثمان

بقلم : محمد محمود عثمان 

القرصنة الأمريكية في مضيق هرمز والخليج العربي والتخطيط لجعلها منطقة أمريكية وإطلاق اسم ترامب على المضيق، وصدر الأزمة من معركة سياسية بين أمريكا وإيران إلى دول الخليج وبلدان العالم، لأن المشكلة أصبحت أعمق بكثير من ذريعة الملف النووي الإيراني التي اختفت من على السطح أو توارت للخلف مع استمرار التصعيد وتأجيج التوترات داخل المضيق وحوله وتبادل الضربات الساذجة بين أمريكا وإيران، وكذلك التهديدات الكلامية الانتخابية من كلا الطرفين.

لأنه إذا لم يحدث تصعيد عسكري كبير جديد بين الطرفين قبل نهاية 2026 فلا يمكن توقع أو تحديد نقطة زمنية لخروج العالم من أزمة هرمز اقتصاديًا أو سياسيًا، حيث لا توجد مؤشرات في اتجاه انفراج واضح، مع انخفاض عدد السفن العابرة للمضيق، وتهديد إيران بالرد على أي هجمات أمريكية جديدة، وارتفاع توقعات المؤسسات المالية لأسعار النفط في حال استمرار اضطراب الملاحة.

ومن ثم نطرح سؤالًا هو: متى يتخلص العالم من أزمة مضيق هرمز؟ أو متى يخرج العالم من المضيق؟

ثم متى تنتهي أزمة مضيق هرمز بصورة فعلية، وليس فقط عودة بعض السفن للمرور، لأن المعطيات الحالية غير حاسمة أو جازمة، حتى إذا انحسرت الأزمة العسكرية وعادت الاتصالات الأمريكية–الإيرانية إلى مسار تفاوضي مستقر.

وحتى لو عادت الملاحة إلى مستوى مقبول، لأن ذلك يحتاج إلى عدة أشهر بعد أي اتفاق؛ لأن شركات الملاحة والتأمين لن تعود فورًا بمجرد أي إعلان سياسي قد لا يمكن تطبيقه، بما يؤثر على أسواق النفط والطاقة إلى عدة شهور قد تمتد إلى نهاية 2026 والربع الأول من 2027. وربما يزداد الوضع تعقيدًا إذا استمرت الأزمة لفترة أطول بلا تسوية سياسية أو عندما تتزامن معها أزمة مضيق باب المندب التي تجددت مؤخرًا.

خاصة أن بيانات إدارة معلومات الطاقة أوضحت أن متوسط تدفقات النفط عبر هرمز هبط من 21.6 مليون برميل يوميًا في الربع الأخير من 2025 إلى 4.9 مليون فقط في الربع الثاني من 2026.

وقد كان المضيق ينقل قبل الأزمة ما يقارب من 21–20 مليون برميل يوميًا، أي نحو خمس استهلاك السوائل النفطية عالميًا، فضلًا عن مرور أكثر من 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، والبدائل الموجودة لا تستطيع تعويض إلا جزء فقط من هذه الكميات.

وحتى لو انتهت أزمة هرمز الحالية، فإن العالم لن يعود إلى الوضع الذي كان عليه قبلها بسهولة؛ خاصة أن دول العالم بدأت بالفعل إعادة رسم طرق الطاقة والتأمين والنقل البديلة.

ومع تصاعد الهجمات الحوثية وتكرارها في المنطقة، فإن الأزمة تتجاوز هرمز إلى أمن الخليج والبحر الأحمر، بل وقناة السويس أيضًا.

ثم نعود لنسأل من جديد: من يستطيع أن يفرض شروط نهاية الأزمة وفتح المضيق؟ هل أمريكا، إيران، الخليج، أم المجتمع الدولي؟ وهل سيكون الفتح مؤقتًا أو مستدامًا؟

والإجابة الأكيدة أن الخليج هو الطرف الذي يدفع الفاتورة الأكبر، وهو الحلقة الأكثر حساسية وضعفًا في المعادلة، لوجود ثلاثة سيناريوهات متعارضة تكمن في استمرار الحماية الأمريكية، وعدم الدخول في حرب مباشرة مع إيران، ثم عودة الملاحة والطاقة إلى طبيعتها.

ولقد ثبت أن الاعتماد على الحماية العسكرية وحدها مع التصعيد الحالي لا يوفر الأمن الاقتصادي.

والأخطر أن الأزمة بدأت تتوسع: هرمز من جهة، والبحر الأحمر وباب المندب من جهة أخرى، حتى وصلت من قبل إلى ميناء دمياط المصري المطل على ساحل البحر المتوسط.

وهذا يعني أن الخليج قد يجد نفسه أمام معادلة جديدة، فلا يمكن تأمين الخليج عسكريًا فقط؛ بل يحتاج إلى تسوية سياسية إقليمية.

وعلى الجانب الآخر، فإن العالم لم يظل متفرجًا ولا يستطيع تحمل أزمة طويلة في هرمز، فحتى مع وجود خطوط بديلة، فإنها قد تستهدف لإعاقة عملها، كما إن قدرتها محدودة، وتُقدر وكالة الطاقة الدولية أن البدائل تستطيع إعادة توجيه نحو 3.5 إلى–5.5 مليون برميل يوميًا فقط، مقابل نحو 20 مليون برميل كانت تمر عبر هرمز.

ولهذا بدأت الأزمة تتحول من نزاع أمريكي–إيراني إلى مشكلة للنظام الاقتصادي العالمي، وتصبح معركة سياسية أطرافها أمريكا - إيران - الخليج والعالم.

وهنا تأتي مسؤولية «العالم الصامت» ليخرج عن صمته، إذ ليس المطلوب أن يقف العالم مع إيران ضد أمريكا، وإنما أن يقول للطرفين: هرمز ليس ملكًا لإيران، لكنه ليس ملكًا لأمريكا أيضًا.

ولا يمكن فرض الأمر الواقع بجعل هرمز «مضيق ترامب»، لأن ذلك يحول القانون الدولي إلى رهينة للقوة وللقرصنة.

ولا يمكن أن يسمح المجتمع الدولي بهذه القرصنة أو تسمح القوى الكبرى بأن تصبح السيطرة العسكرية الأمريكية على هرمز سابقة لإعادة تعريف حرية الملاحة الدولية.

ومن ثم على دول العالم ألا تصمت أمام تصرفات “الكاوبوي” أو سيطرة إيران على المضيق لذات الأسباب، بالإضافة إلى أن القول بتحويل مضيق هرمز إلى “منطقة أمريكية” قانونًا فليس أمرًا تستطيع الولايات المتحدة إعلانه من جانب واحد فينشأ عنه سيادة أمريكية بالقرصنة على المضيق، الذي يقع في المياه الإقليمية لإيران وعُمان، والنظام القانوني للمضائق المستخدمة للملاحة الدولية يقوم على حق المرور العابر للدول.