علي بن راشد المطاعني يكتب للشبيبة: عندما يدخل الوجهاء سباق (الترند)..!

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٠٨/سبتمبر/٢٠٢٦ ١٩:١٦ م
علي بن راشد المطاعني يكتب للشبيبة: عندما يدخل الوجهاء سباق (الترند)..!
علي بن راشد المطاعني

بقلم : علي بن راشد المطاعني

من المؤسف ما نشاهده في الآونة الأخيرة من منافسات وسباقات حامية الوطيس للظهور في وسائل التواصل الاجتماعي، وتحويل المناسبات العائلية وغيرها إلى استعراضات اجتماعية تعيدنا إلى الوراء عقودًا من الزمن، وتبعث برسائل غير إيجابية في مجتمع يمضي بخطى واثقة نحو التقدم، وترسيخ دولة المؤسسات والقانون والتطور المدني، وكجزء من منظومة اجتماعية مترابطة تتجه نحو نبذ التحزبات والقبلية والمظاهر المبالغ فيها في التباهي والتفاخر، وبما لا يرضي الله ورسوله.

الأمر الذي يثير العديد من التساؤلات المشروعة حول الاتجاه الذي نمضي إليه في زخم هذا السباق المحموم نحو موجات الظهور المصطنعة، الذي يرى فيه البعض مطيّة للوصول إلى المناصب، الأمر الذي يتطلب المزيد من الوعي إزاء هذه الظاهرة العبثية التي ما برحت تمضي نحو المزيد من الانتشار.

في الواقع، لم يعد الظهور في وسائل التواصل الاجتماعي وتحويل المناسبات إلى استعراضات اجتماعية مقتصرًا على المراهقين والمراهقات فقط، أو الباحثين أو اللاهثين عن الشهرة، فالمثير للاستغراب أن بعض الوجهاء والأعيان دخلوا هم أيضًا إلى باحات سوق عكاظ الجديد، مع سبق الإصرار والترصد، فها هم ينافسون ويتنافسون على الصور والمقاطع والأغاني، وفي إطار هذا الهرج والمرج تُنفق الأموال بسخاء على الحسابات التي تتولى التلميع والترويج وصناعة صورة أكبر أحيانًا من المنجز نفسه على أرض الواقع، مع يقيننا أن هذا المنجز يساوي صفرًا كبيرًا في مطلق الأحوال.

وهنا، من الطبيعي أن نسأل في براءة: لماذا ينشغل بعض أصحاب المكانة والوجاهة بالتصوير والأغاني والحرص على إحصاء عدد المشاهدات، والدخول في حلبة المنافسة مع كل باحث عن شهرة هوائية لا وزن لها ولا رائحة في إطار الإنجازات الشخصية لفائدة المجتمع؟

وهل لديهم فعلًا الوقت الكافي ليقضوه في هكذا ممارسات عبثية؟

على ما يبدو، يظن البعض أن هذه الممارسات تساعد على بناء رأس المال الاجتماعي في عصر السرعة التي فرضت قانونها الخاص والقائم فقط على استمرارية الظهور؛ كالشمس مثلًا، لا تغيب إلا عندما تسلّم الراية للقمر، عندها فإنهم هم القمر في تمامه، هم البدر المنير والضياء المحفز للبهجة وجميل السمر.

وفي مساعي الجهد المبذول للوصول إلى هذه الغاية، يتم تجنيد مصوري المناسبات، وتجهيز حسابات جاهزة للنشر والتلميع، وكل شيء بثمنه، وأغنية هابطة من هنا وهناك، وقصيدة من شاعر شعرور، تلتهب الأكف بالتصفيق لها، وهكذا يدور السجال في هذا الإطار، كل ذلك من أجل الهدف الأسمى: صناعة رأس المال الاجتماعي.

غير أن الحقيقة المثلى تقول، أو تشير، أو تؤكد أن رأس المال هذا تحديدًا يحتاج إلى سنوات طويلة من البذل والعطاء وأداء الواجب الاجتماعي كما ينبغي، ويتمثل، كما نعرف، في المشاركة الاجتماعية الحضورية في الأفراح والأتراح، ومد يد العون لأصحاب الحاجات والعثرات، والمساهمة الإيجابية في كل المشاريع المفضية إلى إضافة فوائد ملموسة للناس، وغيرها من أنواع العطاء.

بذلك فقط يتم بناء رأس المال الاجتماعي الرصين، الراسخ والثابت، والذي لا يتلاشى بمجرد أن تتغير الخوارزمية، أو بظهور "ترند" جديد، أو تتوقف الحسابات إياها عن التصوير والنشر.

ثم، وللأسف العميق، نقول: رغم الحقيقة التي أكدناها عن رأس المال الأصلي، فإن إرهاصات الظهور، على ما يبدو، أصبحت مقياسًا للتزلف والتملق والمجاملات اللاعصامية، والتي يسلكها البعض للترفع والترقي والوظيفة المرموقة؛ وباعتباره أحد نجوم المجتمع، فهو يستحق الأفضل والأحق بالتعاطي مع الشأن العام.

المجتمع يلحظ هذه الممارسات، التي وجد من يأخذها في الاعتبار كقيمة اجتماعية وكفاءة يُعتد بها، مع أن الحقيقة أنها لا تعدو أن تكون فقاعة لا تلبث أن تنفجر ثم تتلاشى كأن شيئًا لم يكن.

إذن، فإن صناعة "الهالة الرقمية" تتسع يومًا بعد الآخر، ولتقرع على إثر ذلك الأجراس المنذرة بوجود كابوس مخيف بين ظهرانينا.

مع اليقين بأن الكاميرا والمكانة لا تمنحها أو تصنعها المشاهدات، والوجاهة لا يقيسها عدد المتابعين في المنصات، فهناك رجال رجال صنعتهم وصقلتهم عشرات السنين من العمل والخدمة والمواقف والعطاء، وبقيت أسماؤهم حاضرة في ضمير المجتمع رغم غياب الصورة والصوت والمنصة الرقمية، لأن الناس كانوا هم الذين يتحدثون عنهم، ولم يكونوا بحاجة إلى الدفع ليتحدث الناس عنهم.

بالطبع، لسنا ضد التصوير، ولا ضد الأغاني ووسائل التواصل، ولا ضد صناعة المحتوى المهني للشخصيات العامة؛ العكس هو الصحيح، فنحن نقر بأنها غدت أداة مهمة للتواصل والتعريف بالعمل والإنجاز، ويمكن للشخصية العامة أن تستخدمها بذكاء لتقديم المعرفة وإبراز المبادرات وتشجيع الشباب وخدمة المجتمع، والاعتراض يتأتى هنا على الإفراط، وعلى تحويل الوسيلة إلى غاية، والمنصب إلى محتوى، والإنجاز إلى مناسبة للتلميع الشخصي لمن لا يستحقه.

نأمل في الحذر، ثم الحذر، من هكذا ممارسات، والتي أصبحت ظاهرة ملحوظة، وعلى الجهات المختصة ألا تنجرف وراء مثل هذه الموجات في تقييم الأمور والكفاءات، ولا نعطي حافزًا لهؤلاء النجوم إلا نجومًا، وحتى لا نؤطر العمل بكفاءات لا تستحق أن تتولى هذه الأدوار.