
بقلم : الدكتور صادق حسن اللواتي
لم تعد الحرب في القرن الحادي والعشرين تُحسم في ساحات القتال وحدها، ولم تعد القوة تُقاس بعدد الجيوش وحجم الترسانات العسكرية. لقد انتقل الصراع إلى مستويات أعمق: إلى المصانع، والجامعات، ومراكز الأبحاث، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والأنظمة المالية. فالدولة القادرة على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا والطاقة والغذاء، وبناء اقتصاد متماسك، وتكوين إنسان قادر على الابتكار، هي الدولة الأكثر قدرة على حماية استقلالها السياسي والعسكري. ومن هنا أصبحت الحرب الحديثة حربًا على مصادر القوة قبل أن تكون حربًا على استخدامها.
وهذا التحول يجعل الصراع بين الولايات المتحدة وإيران جزءًا من معادلة دولية أوسع. فالمواجهة لا تتعلق فقط بالبرنامج النووي أو الأمن الإقليمي، وإنما ترتبط بموقع إيران في منظومة الطاقة العالمية، وبقدرتها على الصمود أمام العقوبات، وبعلاقاتها المتنامية مع الصين وروسيا وآسيا، وبمحاولة بناء اقتصاد أقل اعتمادًا على المنظومة الغربية. ولذلك فإن الضغط على إيران يمكن قراءته ضمن صراع أوسع حول حدود القوة الأمريكية وقدرة القوى الصاعدة على بناء مساحات مستقلة داخل النظام الدولي.
ومن هنا تبدو أفكار سون تزو ذات أهمية خاصة في فهم طبيعة الحرب المعاصرة. فالانتصار، في منطقه الاستراتيجي، لا يتحقق بالضرورة عبر تدمير جيش الخصم، بل عبر إضعاف قدرته على الحركة والمناورة والاستمرار. وفي العصر الحديث أخذت هذه القاعدة شكلًا جديدًا من خلال العقوبات الاقتصادية، والحروب التجارية، وحظر التكنولوجيا، والسيطرة على الأسواق المالية، والتحكم بممرات الطاقة وسلاسل الإمداد. وهكذا أصبحت الأدوات الاقتصادية جزءًا من منظومة الحرب، وأصبح المصنع ومركز الأبحاث والميناء وشبكة الطاقة مواقع استراتيجية لا تقل أهمية عن القاعدة العسكرية.
لكن التحولات الكبرى لا تُفهم من خلال الأحداث اليومية وحدها. فكما يوضح فرناند بروديل، فإن التاريخ تحكمه دورات طويلة تتغير خلالها مراكز التجارة والإنتاج والثروة. ويرى إيمانويل والرشتاين أن النظام العالمي يقوم على تفاوت بين مراكز القوة والأطراف، وأن هذا التفاوت يتغير عندما تبدأ قوى جديدة بامتلاك أدوات الإنتاج والتراكم. أما جيوفاني أريغي فيرى أن الهيمنة تمر بدورات صعود واستقرار ثم أزمة، وأن القوة المهيمنة تبدأ بفقدان موقعها عندما تتحول تدريجيًا من الإنتاج والتوسع الصناعي إلى الاعتماد المتزايد على الأدوات المالية والقوة السياسية والعسكرية.
ويضيف بول كينيدي أن الدول الكبرى لا تفقد مكانتها بسبب هزيمة عسكرية منفردة، وإنما عندما تصبح التزاماتها العالمية والعسكرية أكبر من قدرتها الاقتصادية على تمويلها. فالقوة العسكرية تحتاج إلى قاعدة إنتاجية دائمة، والانتشار العالمي يحتاج إلى اقتصاد قادر على تحمل تكاليفه. ومن هنا فإن السؤال الأساسي في الصراع الدولي ليس من يملك السلاح الأقوى؟ وإنما من يملك الاقتصاد القادر على إنتاج القوة وتمويلها وتجديدها؟.
وهنا يظهر التحول الكبير في الشرق. فالصين لم تعد مجرد اقتصاد يعتمد على التصدير أو العمالة منخفضة التكلفة، وإنما أصبحت قوة صناعية وتكنولوجية متقدمة، تمتلك حضورًا واسعًا في البنية التحتية والطاقة والاتصالات والتصنيع والتكنولوجيا. وروسيا تحتفظ بموقع مؤثر في الطاقة والموارد والأمن الاستراتيجي، بينما نجحت إيران، رغم الضغوط والعقوبات في تطوير قدراتها الصناعية والعلمية والتكنولوجية والعسكرية وتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع آسيا ودول أمريكا اللاتينية.
.
ومن هذه الزاوية، فإن إيران ليست قوة اقتصادية مكتفية بذاتها أو قوة تضاهي الاقتصاد الأمريكي
أن العقوبات الطويلة لم تنجح في تحويل الاقتصاد الإيراني إلى اقتصاد عاجز عن الاستمرار أو إلى دولة قابلة للكسر الاستراتيجي من حيث الحجم، لكن تجربتها تكشف أمرًا أكثر أهمية
فقد دفعتها الضغوط إلى البحث عن بدائل في الإنتاج المحلي، والتكنولوجيا، والطاقة، والتجارة مع الدول الآسيوية.
فإن استراتيجية إخضاع الدولة اقتصاديًا لم تحقق بالضرورة أهدافها القصوى وهنا تكتسب نظرية محمد باقر الصدر أهميتها. فالاقتصاد عند الصدر ليس مجرد عملية إنتاج واستهلاك وتوزيع للثروة، بل هو جزء من بناء المجتمع والحضارة. والقوة الاقتصادية الحقيقية لا تقاس بحجم المال الموجود في خزائن الدولة، وإنما بقدرتها على إنتاج الثروة، وتطوير الموارد، وبناء الإنسان المنتج، وتحقيق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. ولذلك فإن الدولة التي تملك النفط لكنها تستورد التكنولوجيا والغذاء والخبرات الأساسية تبقى أضعف من دولة تمتلك موارد أقل لكنها تملك المعرفة والقدرة على تحويل مواردها إلى صناعة وقيمة مضافة.
وهذا المعنى يتقاطع مع مفهوم الاقتصاد المقاوم لدى علي الخامنئي المرشد الأعلى السابق للثورة الإسلامية في إيران، حيث لا ينحصر الاستقلال في مقاومة العقوبات، بل في بناء بنية اقتصادية تقلل نقاط الضعف أمام الخارج. فالإنتاج الوطني، وتوطين التكنولوجيا، ودعم البحث العلمي، وتنويع الاقتصاد، وتحويل الموارد الطبيعية إلى صناعات متقدمة، كلها تصبح عناصر في معادلة الأمن القومي. وبذلك تتحول الضغوط الخارجية من مجرد تهديد إلى اختبار لقدرة الدولة على بناء اقتصاد أكثر استقلالًا
.
أما منير شفيق فيوسع مفهوم المقاومة ليجعلها مشروعًا حضاريًا متكاملًا. فمواجهة الهيمنة لا يمكن أن تنجح إذا بقي المجتمع مستهلكًا لمنتجات الآخرين ومعتمدًا على علومهم وتقنياتهم. فالمقاومة تبدأ من بناء المصنع والجامعة ومركز البحث، ومن امتلاك المعرفة والإرادة السياسية والقدرة على الإنتاج. وهذا يعني أن الصراع مع الهيمنة لا يُحسم فقط في الميدان العسكري، بل في القدرة على إنتاج البديل.
ويضيف علي عزت بيغوفيتش أول رئيس البوسنة والهرسك بعد استقلالها بعدًا إنسانيًا إلى هذه المعادلة؛ فالتكنولوجيا والاقتصاد لا يصنعان الحضارة وحدهما. الحضارة تحتاج إلى إنسان يمتلك القيم والوعي والقدرة على توجيه القوة المادية نحو غايات إنسانية. ولذلك فإن بناء القوة الاقتصادية لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد سباق مادي، بل إلى مشروع لبناء الإنسان والمجتمع والدولة.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة المتزايدة بين الصين وإيران وحلفائهما. فهذه القوى لا تحتاج إلى إسقاط النظام الاقتصادي الغربي دفعة واحدة حتى تغير ميزان القوة. يكفي أن تبني، بصورة تدريجية، شبكات بديلة في الطاقة والتجارة والنقل والتمويل والتكنولوجيا، وأن تقلل من اعتمادها على مركز اقتصادي واحد. وإذا استمرت هذه العملية لعقود، فقد تنتقل من مجرد التعاون بين دول متضررة من الهيمنة إلى تشكيل فضاء اقتصادي واستراتيجي أكثر تعددًا.
وهنا تكمن أهمية الطاقة. فالنفط والغاز ليسا مجرد سلع للبيع، بل جزء من بنية القوة العالمية. ومن يمتلك الطاقة أو طرق نقلها أو التكنولوجيا اللازمة لاستثمارها يمتلك قدرة على التأثير في الصناعة والتجارة والنقل والسياسة الدولية. ولذلك أصبحت منطقة الخليج وغرب آسيا واحدة من أهم ساحات التنافس بين القوى الكبرى.
إن صعود الشرق، إذن، لا يعني ببساطة أن قوة ستحل محل قوة، وإنما يعني أن مفهوم القوة نفسه يتغير. فالمستقبل لن يكون لمن يملك أكبر عدد من القواعد العسكرية فقط، بل لمن يملك المعرفة والطاقة
والصناعة والتكنولوجيا والإنسان المنتج. ومن هنا يمكن القول إن إيران والصين، مع شركائهما، قد وضعتا خطوات أولى مهمة في بناء شبكة قوة اقتصادية واستراتيجية أكثر استقلالًا عن الغرب.
أما أفول الهيمنة الأمريكية فلا يعني اختفاء الولايات المتحدة أو انتهاء نفوذها، فهي لا تزال تمتلك عناصر قوة . لكن التحول الأهم هو تراجع القدرة على الانفراد بإدارة النظام العالمي. فالعالم يتجه تدريجيًا نحو تعدد مراكز القوة، حيث تتنافس الولايات المتحدة والصين وروسيا وقوى إقليمية أخرى على صياغة قواعد المرحلة المقبلة.
وهكذا تصبح حرب الطاقة تعبيرًا عن صراع أعمق: صراع على من يمتلك القدرة على إنتاج القوة، وليس فقط استخدامها. فالأمة التي تنتج المعرفة تستطيع إنتاج التكنولوجيا، والتي تنتج التكنولوجيا تستطيع تطوير الصناعة، والتي تمتلك الصناعة تستطيع تحويل الطاقة والموارد إلى ثروة، والتي تمتلك الثروة والمعرفة تستطيع حماية استقلال قرارها. وهذه هي القاعدة التي تجعل معركة القرن الحادي والعشرين، في جوهرها، معركة بناء القوة الاقتصادية والحضارية قبل أن تكون معركة عسكرية.