
بقلم : علي بن راشد المطاعني
لم تعد الأغنية اليوم بحاجة إلى أستوديو كبير أو شركة إنتاج أو محطة إذاعية حتى تجد طريقها إلى الجمهور؛ فبضغطة واحدة يمكن أن يولد العمل الفني في فضاء رقمي مفتوح، وينتقل خلال ساعات من حساب صاحبه إلى آلاف، وربما ملايين المتابعين. وبينما فتحت وسائل التواصل الاجتماعي أبوابًا واسعة أمام المواهب الشابة ووسّعت فرص الإبداع والانتشار؛ فإنها في المقابل طرحت أسئلة جديدة حول المسؤولية عن المحتوى وحدود النشر وآليات الرقابة.
فالسهولة البادية في تعاطي النشر الرقمي غير المقنن تمثل فرصة حقيقية للمواهب الشابة، وتفتح المجال أمام الإبداع والتجديد، لكنها في الوقت نفسه تضعنا أمام مسؤولية أخلاقية مهمة، خاصة مع ظهور بعض الأغاني التي تحتاج إلى مراجعة وتقييم قبل بثها على نطاق واسع. فليس كل ما يمكن إنتاجه ونشره عبر الهاتف صالحًا لأن يتحول إلى محتوى عام يتداوله المجتمع بمختلف فئاته العمرية.
حيث يُلاحظ بث أغاني كثيرة تكرس لتمجيد القبيلة وتغليبها على الوطن، والظهور الاجتماعي المفرط في وسائل التواصل الاجتماعي بدوافع اجتماعية وعائلية. ولا يُعرف ما إذا كانت هذه الأغاني والقصائد المغناة التي تكرّس للقبلية والتباهي بشكل متقوقع قد خضعت للرقابة، أو عُرضت على لجنة المصنفات الفنية كغيرها من الأغاني.
والمسألة هنا لا تتعلق بمنع الاعتزاز بالقبيلة أو الأسرة والموروث الاجتماعي، فهي مكونات أصيلة لها مكانتها في المجتمع العُماني، وإنما بمنع تحول هذا الاعتزاز إلى تفاخر وتعصب وتغليب للانتماءات الضيقة على الانتماء الوطني الجامع، خاصة عندما تصل هذه الرسائل عبر الأغاني والقصائد المغناة إلى الأطفال والناشئة، بما يستوجب حماية الهوية الوطنية وتعزيز قيم المواطنة والتماسك الاجتماعي التي تدعو إليها القيادة في كل محفل، الأمر الذي يتطلب إدارة هذا الجانب.
ومن هنا تبرز أهمية تفعيل قانون الإعلام الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 58/2024، ولائحته التنفيذية الصادرة بالقرار الوزاري رقم 165/2025، الذي وضع قواعد واضحة لضبط وتنظيم المحتوى الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، وفي الوقت ذاته فتح الفرص الاستثمارية في قطاع الإعلام وجذب صناع المحتوى إلى بيئة إبداعية آمنة ومتطورة. وذلك يشمل بالطبع الأغاني التي تُنتج وتُنشر عبر حسابات التواصل الاجتماعي، وعدم التعامل مع الفضاء الرقمي وكأنه منطقة منفصلة عن القواعد المنظمة للمصنفات الفنية في سلطنة عُمان.
فالقانون عرّف في المادة (1) المصنفات الفنية بأنها كل إنتاج سمعي أو بصري أو سمعي بصري، أيًّا كانت الوسيلة التقنية التي يُخزن فيها، أو الوسيلة التي يُنشر أو يُبث من خلالها. وهذا التعريف الواضح يشمل الأغاني المنشورة عبر يوتيوب وإنستغرام وتيك توك وغيرها من المنصات الرقمية؛ لأن العبرة ليست بمُسمى الوسيلة، وإنما بطبيعة المحتوى ووصوله إلى الجمهور.
كما أوجبت اللائحة التنفيذية في المادة (117) على كل من يرغب في مزاولة الأنشطة المتصلة بالمصنفات الفنية الخاضعة لأحكام القانون الحصول على ترخيص من وزارة الإعلام، ومن بين هذه الأنشطة الإنتاج الفني والتوزيع، وأي أنشطة أخرى متصلة بالمصنفات الفنية. كما أكدت المادة (120) أن كافة المصنفات الفنية تخضع لموافقة الوزارة، مع مراعاة المصنفات المستثناة من الحصول على الموافقة المسبقة.
ونظمت المواد من (121) إلى (124) إجراءات طلب إجازة المصنف الفني والترخيص فيه، ومدة البت في طلب الإجازة، وتسجيل المصنفات الفنية التي تتم إجازتها. كما نصت المادة (126) على أن تمنع الوزارة أو تقتطع أي جزء من المصنف الفني يخالف أحكام القانون وفق الضوابط المحددة في اللائحة.
وأكدت اللائحة التنفيذية في المادة (132) أنه لا يجوز عرض أي مصنف في عرض عام على الجمهور قبل الحصول على ترخيص بذلك من الوزارة، مع الاستثناء المنصوص عليه في المادة ذاتها. ومن ثم، فإن نشر أغنية جديدة في حساب مفتوح ومتاح للجمهور يطرح تساؤلًا مشروعًا حول مدى خضوع هذا النوع من النشر للإجراءات التي تخضع لها الأغاني عند إنتاجها أو بثها من خلال الوسائل التقليدية.
فما الفرق بين أغنية تبثها محطة إذاعية استوفت الشروط المشار إليها في القانون، وأخرى ينشرها صاحبها نأيًا عن الضوابط في منصة يتابعه فيها مئات الآلاف؟ بل إن تأثير المنصات الرقمية قد يكون أكبر وأسرع؛ لأن الأغنية تنتقل من حساب إلى آخر، وتتحول مقاطع منها إلى مادة متداولة يصعب الحد من انتشارها بعد وصولها إلى الجمهور. الفرق بالتأكيد موجود، وهو ذاته الفرق بين الغث والثمين، أو بين الخفيف والثقيل.
على ذلك، فإن الدعوة إلى تطبيق القانون لا تعني التضييق على الإبداع أو الوقوف في وجه المواهب تكبيلًا وتصفيدًا، وإنما تهدف إلى إيجاد توازن بين حرية التعبير والمسؤولية الأخلاقية تجاه المجتمع. فالإبداع الحقيقي لا يتعارض مع القيم العامة، والرقابة المهنية ليست خصمًا للفن أو عدوًا له، بل يمكن أن تسهم في رفع مستواه وحماية الفنان نفسه من الوقوع في مخالفات قانونية أو اجتماعية كان يمكن تداركها بسهولة قبل النشر.
ويمكن لوزارة الإعلام في هذا الجانب وضع آلية رقمية واضحة وسريعة تتيح للفنانين والمنتجين تقديم الأغاني المعدة للنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على الإجازة اللازمة، مع تعريفهم بالضوابط المطلوبة، والتمييز بين إنتاج أغنية جديدة ونشرها للجمهور، وبين الاستخدام الشخصي أو إعادة مشاركة عمل مجاز سابقًا.
كما أن الحاجة قائمة إلى تفعيل دور اللجنة المتخصصة عند ظهور أعمال تثير ملاحظات تتعلق بمضمونها أو ألفاظها أو رسائلها، على أن تضم مختصين في الموسيقى واللغة والثقافة والإعلام والقانون وعلم الاجتماع، بما يضمن تقييمًا متوازنًا لا يقوم على الانطباعات الشخصية، وإنما على معايير واضحة ومعلنة.
ومن المهم كذلك توعية الفنانين الشباب وصناع المحتوى بأن وسائل التواصل الاجتماعي ليست فضاءً تجوز العربدة فيه بلا ضوابط، وأن انتشار الأغنية لا يعفي منتجها أو ناشرها من المسؤولية. فكلما اتسعت دائرة الوصول، زادت المسؤولية عن الكلمات والصور والرسائل التي يحملها العمل.
فطالما تطورت وسائل نشر الأغنية؛ يجب أن تتطور معها أدوات الرقابة وآليات تطبيق القانون، فلا يصح أن تخضع الأغنية التي تُبث عبر الإذاعة أو تقدم في حفل عام للمراجعة والإجازة، بينما تصل الأغنية نفسها عبر حساب في وسائل التواصل الاجتماعي إلى جمهور أكبر من دون أن تمر بالإجراءات ذاتها.
بالطبع، ينبغي أن يمتد التنظيم إلى الحسابات التي تروّج لهذه الأغاني والقصائد المغناة على نطاق واسع، بحيث لا يتم الترويج لأي مصنف فني يتطلب الإجازة قبل التأكد من حصوله على ترخيص، لتشمل المسؤولية المنتج، والناشر، والمروّج، وألا يصبح الترويج الرقمي منفذًا لانتشار المصنفات غير المجازة.
نأمل أن يتم تطبيق قانون الإعلام ولائحته التنفيذية على الأغاني الرقمية بما يحمي المجتمع، ويصون الذوق العام، ويدعم الفن المسؤول، ويضمن تكافؤ المعايير والفرص بين وسائل الإعلام الجماهيرية والمنصات الحديثة، وضمان أن تكون الحرية الفنية مقرونة بالمسؤولية، وأن يظل الإبداع العُماني معبرًا عن قيم المجتمع وهويته ومستواه الحضاري الرفيع، وليس مكرّسًا لكل ما هو بِدعة.