أحمد الجهضمي يكتب للشبيبة: فنجاء يعود إلى الأضواء.. حين يصبح التاريخ مسؤولية المستقبل

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٢٥/أغسطس/٢٠٢٦ ١٨:١٠ م
أحمد الجهضمي يكتب للشبيبة: فنجاء يعود إلى الأضواء.. حين يصبح التاريخ مسؤولية المستقبل
أحمد الجهضمي

بقلم : أحمد الجهضمي 

من فنجاء 1989 إلى فنجاء اليوم.. حكاية نادٍ حمل كأس الخليج واحتضنته عُمان من ظفار إلى مسقط،فنجاء لا يعود اليوم إلى دوري الأضواء فقط، بل يعود ومعه ذاكرة وطن، وتاريخ أجيال، وقصص رجال صنعوا المجد، وجماهير لم تتخلَّ عن ناديها حتى في أصعب الظروف.

ادارة شابة

يعود نادي فنجاء إلى دوري الأضواء، دوري جندال، بإدارة شابة برئاسة المهندس سلطان الإسماعيلي، تحمل طموحًا كبيرًا، وتدرك في الوقت نفسه حجم المسؤولية التي تنتظرها،فالعودة إلى دوري الكبار ليست مجرد صعود في جدول المسابقات، ولا مجرد موسم جديد يبدأ من نقطة الصفر، وإنما هي عودة اسم ارتبط طويلًا بالبطولات والإنجازات، وبأجيال من النجوم الذين صنعوا لأنفسهم وللنادي وللكرة العُمانية مكانة خليجية وعربية وآسيوية.

يعود فنجاء اليوم بثوب جديد، بعد مرحلة صعبة ارتبطت بالديون وبعض الإشكاليات والملفات التي أثقلت كاهل النادي، ومنها ما ارتبط بنجوم ولاعبين خدموا فنجاء لسنوات طويلة،لكن النادي يفتح اليوم صفحة جديدة بإدارة شابة استطاعت أن تكسب ثقة شرائح واسعة من أبناء النادي ومحبيه، ومن المسؤولين والتجار وعشاق كرة القدم.

وهذه الثقة ليست مجرد إشادة، بل مسؤولية كبيرة، لأن فنجاء عندما يعود إلى دوري الأضواء لا يعود وحده، وإنما يعود معه تاريخ طويل من البطولات والأسماء والذكريات.

اسم لا يبدأ من الصفر

فنجاء ليس ناديًا يبدأ اليوم من جديد،إنه أحد الأسماء التي ارتبطت بتاريخ الكرة العُمانية، وصنع حضورًا تجاوز حدود السلطنة، وارتبط اسمه ببطولات ونجوم وإداريين ومدربين تركوا بصمتهم في مسيرة الرياضة العُمانية،وفي ذاكرة النادي مرحلة ذهبية لا يمكن تجاوزها، بدأت برجال آمنوا بفنجاء وقدرته على صناعة المجد، وفي مقدمتهم المؤسس الشيخ خلفان بن ناصر الهدابي-رحمه الله-والسيد سامي بن حمد البوسعيدي-رحمه الله- الذي ارتبط اسمه بمرحلة مفصلية في تاريخ النادي.

وبعد رحيل السيد سامي- رحمه الله- واصل السيد خالد بن حمد البوسعيدي المسيرة رئيسًا للنادي، واستمرت الإنجازات، حتى جاءت واحدة من أعظم صفحات تاريخ فنجاء والرياضة العُمانية بطولة مجلس التعاون للأندية عام 1989.

البحرين.. ليلة كتب فيها فنجاء التاريخ

في مملكة البحرين، عام 1989، لم يكن فنجاء يخوض بطولة عادية،كان يمثل الكرة العُمانية أمام أندية الخليج، ويحمل معه طموح جيل كامل كان يبحث عن إنجاز خارجي يضع اسم السلطنة في واجهة كرة القدم الخليجية،كانت لحظة تاريخية،لم يكن الكأس لفنجاء وحده، بل كان للكرة العُمانية،وكانت البطولة علامة فارقة في مسيرة الرياضة العُمانية، وواحدة من اللحظات التي أثبت فيها النادي أن الفريق العُماني قادر على المنافسة والتتويج خليجيًا،وفي البحرين عاش أبناء فنجاء أيامًا جميلة، خصوصًا في ضيافة نادي المحرق، قبل أن تبدأ رحلة العودة إلى الوطن حاملين الكأس،لكن حكاية البطولة الحقيقية لم تنتهِ في البحرين،بل ربما بدأت هناك.

صلالة.. حين احتضنت ظفار أبطال الخليج

وصلت بعثة فنجاء إلى مطار صلالة على متن طائرة خاصة، وهي تحمل كأس مجلس التعاون، فكان أهالي ظفار على الموعد،استقبال مهيب، وقلوب مفتوحة، ومسيرة طافت شوارع صلالة، وتحول وصول الأبطال إلى كرنفال رياضي وشعبي شارك فيه أبناء المحافظة،لم تكن ظفار تستقبل فريقًا عائدًا من بطولة خليجية فحسب،كانت تستقبل أبطالًا حملوا اسم عُمان ورفعوه في واحدة من أهم المحطات الرياضية في تاريخ السلطنة،وهنا تتجلى قيمة الرياضة عندما تتحول إلى حالة وطنية، ففنجاء القادم من البحرين وجد نفسه محاطًا بمحبة أهالي ظفار، وكأن الكأس لم تعد ملكًا لنادٍ واحد، وإنما أصبحت فرحة وطن،وفي تلك الأجواء كانت هناك لحظات وفاء لا تزال حاضرة في الذاكرة، من بينها اللقاء مع معالي السيد حمد بن حمود البوسعيدي- رحمه الله-الرئيس الفخري لنادي فنجاء، ومعالي الشيخ مستهيل بن أحمد المعشني، الموقر ، في مشهد تختصر فيه الرياضة علاقتها بالمجتمع ورجالاته،وكان للشيخ عوض الصيعري، مدير عام وزارة التربية والتعليم والشباب لشؤون الشباب بمحافظة ظفار آنذاك، دور في الإعداد لذلك الاستقبال المهيب، وكان شاهد عيان على تلك اللحظات الوطنية،كانت ظفار يومها تحتضن فنجاء، وفنجاء يحمل كأس الخليج بأسم عُمان.

ومن ظفار إلى مسقط.. اكتملت الحكاية

بعد صلالة واصلت البعثة رحلتها إلى مسقط.

وكانت مسقط على موعد مع ليلة أخرى من ليالي الفرح.

ليلة لا أذكر أن أحدًا نام فيها قبل شروق الشمس.

الشوارع تعج بالجماهير، والأعلام ترفرف، والكأس حاضر، والفرحة في كل مكان.

كان الجميع يشعر أن شيئًا تاريخيًا قد حدث.

فنجاء لم يعد إلى الوطن بكأس مجلس التعاون فقط، بل عاد بإنجاز أصبح جزءًا من ذاكرة الرياضة العُمانية.

ولذلك كانت رحلة العودة نفسها جزءًا من البطولة؛ من البحرين إلى صلالة، ومن صلالة إلى مسقط.

لم يكن الكأس وحده هو التتويج.

كان الاستقبال هو التتويج الآخر.

كانت المحبة التي وجدها الأبطال في كل مكان، وكانت فرحة الناس بهم، وكانت مشاهد الوفاء التي جعلت اللاعبين والبعثة يشعرون أن عناء السفر والمنافسة لم يذهب سدى.

لماذا نعود إلى 1989 اليوم؟

لأن الجيل الجديد يحتاج إلى أن يعرف،ليس المطلوب أن يعيش لاعب فنجاء الحالي في الماضي، ولكن المطلوب أن يعرف قيمة الماضي الذي يقف عليه،فالأندية العريقة لا تبدأ من الصفر،والقميص الذي يرتديه لاعب اليوم يحمل وراءه أسماء رجال، وذكريات جماهير، وتضحيات إدارات، وانتصارات صنعت تاريخ النادي،كأس 1989 لم تأتِ صدفة.

كانت نتيجة عمل وتخطيط وروح فريق وإيمان بالقدرة على المنافسة،وهذه الرسالة هي الأهم التي يجب أن تصل إلى الجيل الجديد.

العودة.. مسؤولية قبل أن تكون فرحة،اليوم يعود فنجاء إلى دوري الأضواء بإدارة شابة،وهذه العودة يجب ألا تكون مجرد احتفال بالصعود، وإنما بداية مشروع رياضي جديد،المطلوب أن يتحول هذا الالتفاف الجماهيري إلى قوة حقيقية، وأن تستثمر الإدارة ثقة المسؤولين والتجار ومحبي النادي، وأن يكون هناك عمل واضح في الجوانب المالية والفنية والإدارية، مع اهتمام أكبر بالفئات السنية وصناعة النجوم،فنجاء يملك ما لا تملكه أندية كثيرة: التاريخ، والجماهير، والاسم، والذاكرة،لكن التاريخ وحده لا يصنع المستقبل.

المستقبل يصنعه العمل،فصل جديد من الحكاية،رحم الله من رحل من رجالات تلك المرحلة، وحفظ من بقي منهم، وتبقى ذكريات لا تُنسى في تاريخ الرياضة العُمانية،واليوم، ونحن نرى فنجاء يعود إلى دوري الأضواء، فإننا لا نحتفي بالصعود فقط، وإنما نستعيد حكاية نادي كان في يوم من الأيام بطلًا للخليج، وحمل اسم عُمان في واحدة من أجمل صفحات تاريخها الرياضي،من البحرين عام 1989، إلى صلالة التي احتضنت الأبطال، إلى مسقط التي عاشت ليلة لم تنم فيها الجماهير قبل شروق الشمس،تظل الحكاية واحدة:

فنجاء حمل كأس الخليج باسم عُمان عام 1989، واليوم يعود إلى دوري الأضواء،تغيرت الأسماء والوجوه، لكن التاريخ بقي شاهدًا،واليوم جاء دور الجيل الجديد ليكتب الفصل القادم،فنجاء ليس مجرد نادٍ عاد إلى الأضواء.. فنجاء ذاكرة وطن، وتاريخ كرة، وحكاية أجيال،والتاريخ الذي وضعه السابقون بين أيديهم ليس عبئًا عليهم،بل إرثٌ يستحق أن يُبنى عليه مجد جديد.