صادق محمد سعيد اللواتي يكتب للشبيبة: حقائب الأطفال في المطار – كيف حولت إيران الألم إلى رسالة تنظيم

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٢٥/أغسطس/٢٠٢٦ ١١:٤٩ ص
صادق محمد سعيد اللواتي يكتب للشبيبة: حقائب الأطفال في المطار – كيف حولت إيران الألم إلى رسالة تنظيم
صادق محمد سعيد اللواتي

بقلم : صادق محمد سعيد اللواتي

لماذا لا نسأل أنفسنا كدول وشعوب إسلامية: ما سر هذا الثبات الإيراني في وجه الحصار والحرب؟ لسنا بصدد الحديث عن الصواريخ والمسيرات، ولا عن الأنفاق والمترو. نحن أمام درس أعمق، درس "التنظيم". كيف تحولت دولة محاصرة إلى دولة تدير أزمتها بعقل بارد، وتحول جريمة أمريكا إلى وثيقة إدانة عالمية؟

 

عندما قصفت طائرات أمريكية مدرسة في مدينة ميناب وقتلت العشرات من الأطفال ومعلميهم، لم تكتف إيران بالبيانات والشجب. فعلت ما لم تفعله أي دولة. جمعت حقائب الأطفال المدرسية وأحذيتهم الصغيرة، وعرضتها في مطاري طهران ومشهد. كل مسافر، من أي جنسية، يرى بأم عينه نتيجة "الديمقراطية" الأمريكية التي يتحدثون عنها. هذه ليست دعاية، هذا توثيق حي لا يمكن إنكاره. لا شك أن هذا العمل التنظيمي سيظل يطارد ترامب وحاشيته طوال حياتهم.

 

هنا يكمن الدرس. إيران لم تترك الجريمة تضيع في زحمة الأخبار. نظمتها، أرشفتها، وعرضتها. جعلت من مطارها قاعة محكمة، ومن المسافرين شهود. هذا العمل سيطارد صناع القرار الأمريكيين أينما ذهبوا. أي دولة أخرى كانت ستكتفي بنعي الشهداء ثم تنسى، لكن التنظيم يحول الدم إلى حجة، والحزن إلى موقف سياسي لا يسقط بالتقادم.

 

الدول الكبرى تمتلك طائرات وتملك أقماراً. لكنها تخسر عندما تواجه شعباً منظماً. إيران أثبتت أن أقوى من الصاروخ هو "الذاكرة المنظمة". عندما تعرض حقائب التلاميذ في صالة الوصول، فأنت لا تبكي فقط، أنت تقدم أدلة في محكمة الضمير العالمي. أنت تقول للعالم، هذه ليست أرقام في نشرة أخبار، هؤلاء أطفال لهم حقائب وألوان وأحلام. هذا هو التنظيم الذي يفضح الجريمة ويمنعها من أن تدفن.

 

أما نحن في عالمنا العربي، فكم مدرسة قصفت؟ وكم طفل استشهد؟ وكم جريمة ضاعت لأننا لم نوثقها ولم ننظمها؟ نكتفي بالغضب يومين ثم نعود. إيران علمتنا أن الحزن بدون تنظيم يتحول إلى نسيان. أما الحزن المنظم فيتحول إلى موقف، وإلى سياسة، وإلى هيبة. فلنتعلم أن نواجه عدونا ليس بالصراخ فقط، بل بدفتر موثق، وبصورة معلنة، وبحقيبة طفل معروضة في المطار حتى يراها كل من يدخل بلادنا ويخرج.

 

إذا ما نظرنا إلى التاريخ، نجد أعظم مثال على "قوة التنظيم" في ملحمة كربلاء التي مضى عليها أكثر من 1400 عام، ومع ذلك لا تزال حية في قلوب المسلمين اليوم، لماذا؟ لأنها لم تُترك لتنسى. فقد وُثقت، وبُكي عليها، وزُثيت في الشعر، وأحييت في المجالس، ومُشيت إليها على الأقدام. دم الحسين وأهل بيته وأصحابه تحول إلى رسالة منظمة تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل. لولا هذا التنظيم في الحفظ والإحياء، لكانت كربلاء مجرد حادثة في كتاب تاريخ وانتهت.

 

واليوم إيران تفعل الشيء نفسه بحقائب الأطفال ميناب. هي تقول للعالم: لن ندفن شهداءنا في الإعلام. سنعرضهم، سنذكرهم، سنجعل كل مسافر شاهداً. هذا هو السر، من يملك ذاكرة منظمة، يملك مستقبلاً.

 

إن الشعوب التي لا تؤرشف آلامها ولا تنظم ذاكرتها، تحكم على أجيالها القادمة بالضياع والتبعية. فالذاكرة المنظمة ليست مجرد وثيقة لإدانة العدو في الحاضر، بل هي حصن للأجيال القادمة لتعرف من أين جاءت وماذا واجهت وكيف صمدت. إن بناء المؤسسات المعنية بالحفظ والتوثيق هو في جوهره بناء للهوية الوطنية واستدامة للحقوق التي لا تسقط بالتقادم مهما تبدلت القوى وتغيرت الخرائط.

 

يا شعوبنا الإسلامية، مشكلتنا ليست في الموارد ولا في العقول. مشكلتنا في "التنظيم". فلنتعلم من إنجازات إيران كيف نحفظ حقنا، ونوثقه، ونعرضه للعالم. عندها فقط لن نقتل مرتين، مرة بالصاروخ نتنياهو وترامب ومرة بالنسيان.