
بقلم : علي بن راشد المطاعني
قبل سنوات كتبت مقالًا تحت عنوان "من يحاسب مكاتب المحاسبة؟" تطرقت فيه إلى ممارسات بعض مكاتب المحاسبة في إعداد الميزانيات السنوية للشركات، وما قد يشوبها من أخطاء أو ممارسات تؤدي إلى التمويه على المستثمرين والتلاعب بالأرقام والحسابات. وأشرت إلى أن بعض شركات المحاسبة قد تقدم "حسب طلب الشركات" ثلاث ميزانيات؛ الأولى للجهات الحكومية وجهاز الضرائب، بهدف الحصول على الإعفاءات الضريبية وإظهار الخسائر، والثانية للبنوك للحصول على التمويل والقروض، إلى أن تتعثر الشركة وتصنف ضمن الديون الهالكة، والثالثة لأصحاب العلاقة، وتوضح الموقف الحقيقي للشركة.
وها هو السؤال يعود إلى الواجهة من جديد، بعد الإجراءات التي أعلنت عنها هيئة الخدمات المالية بحق عدد من مكاتب المحاسبة والتدقيق، ومنها قرار إيقاف بعض المكاتب بسبب مخالفات مرتبطة بقانون تنظيم المهنة ومتطلبات ومعايير التدقيق الدولية.
الأمر الذي يتطلب فرض المزيد من الإجراءات في مواجهة هذه المكاتب التي تعد الميزانيات على الورق وتبيعها في الأسواق لمن يريد تقديمها إلى الجهات الحكومية، وغيرها من الممارسات التي لا تلتزم بالمعايير والأطر والتشريعات المنظمة للمهنة.
وأكدت هيئة الخدمات المالية أن إجراءات التقييم العملي للمهنة أسفرت عن حصر عدد المكاتب المرخصة لممارسة مهنة المحاسبة والمراجعة، والتي بلغ عددها 183 مكتبًا، وذلك بعد مراجعة منظومتها الرقابية والتنظيمية بما يتماشى مع أفضل الممارسات الدولية.
كما أوضحت أن مشروع اللائحة التنفيذية لقانون المهنة يركز على ضمان التعليم المهني المستمر بواقع 30 ساعة سنويًا للمحاسبين والمراجعين.
وتعمل الهيئة جاهدة على التوعية بمهنة المحاسبة والمراجعة، بهدف تطوير أطرها التنظيمية والتشريعية، ورفع معايير الجودة والتدقيق والامتثال، وفتح الحوار مع مكاتب المحاسبة والمراجعة والمختصين، بالتوازي مع الرقابة والمساءلة. وتمثل كل هذه الإجراءات مسارًا مهمًا للارتقاء بالممارسة المهنية، وتعزيز مصداقية التقارير المالية، وترسيخ الثقة في بيئة الأعمال.
ولا شك أن مكاتب المحاسبة تمثل أحد أعمدة الثقة في أي اقتصاد وأي دولة؛ فتوقيع المدقق على القوائم المالية يمتد أثره إلى المستثمر والبنك والمورد والمساهم والجهات الحكومية، وجميعهم يبنون قراراتهم على أساس وجود طرف مهني مستقل تحقق من الأرقام، وأكد دقة تعبيرها عن الواقع المالي للشركة، مع أن الواقع على الأرض قد يكون عكس ذلك تمامًا.
وعلى ذلك، فإن أخطر ما تواجهه هذه المهنة هو تحول التدقيق إلى إجراء شكلي مدفوع القيمة سُحتًا، أو أن يصبح توقيع المدقق وختم المكتب مجرد ورقة تباع للحصول على معاملة أو تمويل من الجهات الرسمية. فالمدقق الحقيقي لا تتمثل مهمته في إرضاء العميل، وإنما في حماية مصداقية المعلومات المالية، حتى لو تطلب ذلك الاعتراض أو التحفظ أو رفض اعتماد بعض البيانات.
ولهذا، فإن الإجراءات التي تتخذها هيئة الخدمات المالية تجاه بعض المكاتب تمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، ليس بهدف العقاب في حد ذاته، وإنما لحماية المهنة والاقتصاد والمكاتب الملتزمة.
وبالطبع، هناك شركات تحافظ على سمعتها، وتعمل وفق المعايير الدولية، وتعمد إلى إجراء التدقيق والحسابات بكفاءة عالية، وتؤدي أعمالها بكل أمانة ومسؤولية تفرضهما أخلاقيات المهنة.
ونأمل المزيد من مراجعات الجودة والتفتيش الدوري، والتأكد من كفاءة المكاتب ومواردها البشرية والتزامها بالمعايير، مع أهمية الربط بين البيانات المالية المقدمة إلى الجهات الحكومية والضريبية والبنوك؛ لكشف أي اختلافات جوهرية في حسابات الشركة الواحدة.
وإن لم ترعوِ هذه الشركات التي تسعى إلى مخالفة النظم والقوانين فإن حبل هذه الممارسات قصير، وحينها لن ينفع الندم.