عادل الحمداني يكتب للشبيبة: حكايات لا ترويها الأرقام.. حين تتحول القروض إلى بيوت

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٢٠/أغسطس/٢٠٢٦ ١٥:٣٩ م
عادل الحمداني يكتب للشبيبة: حكايات لا ترويها الأرقام.. حين تتحول القروض إلى بيوت
عادل الحمداني

بقلم : عادل الحمداني – كاتب وإعلامي

كلما صادفت خبرًا عن بنك الإسكان العُماني أو إعلانًا عن التسهيلات التي يقدمها، أجدني أتخيل الأسر التي ساهم البنك في تمكينها من السكن المدعوم؛ فالسكن يتجاوز البناء المادي إلى الشعور بالأمان والاستقرار النفسي المعزز للإنتاج.

       كما يمكن تخيل الفرحة التي ارتسمت على وجوه الآباء والأمهات وهم يتلقون بشرى الإعفاءات الإسكانية تنفيذًا للأوامر السامية مما تبقى عليهم، ليصبح سكنهم سكينة نفسية واستقرارًا، بعد أن كان مستقرًا آواهم تحت سقف يلمّ شملهم، وفي كنف وطنٍ يضع كرامتهم ورغد عيشهم في صدارة أولوياته.

      فما الذي يصف مشاعر أكثر من 82 ألفًا و 600 أسرة استفادت من خدمات البنك منذ تأسيسه؟ وهل من المنصف القول إن البنك لم يعد مجرد مؤسسة تقدم قروضًا سكنية، بل مؤسسة تنموية حققت أهدافًا اجتماعية واقتصادية متعددة؟.

      وإذا كانت المشاعر لا تقاس بالأرقام، فإن المؤشرات تتيح لنا الاقتراب من حجم الأثر؛ إذ تنشئ دول العالم أنظمة إسكانية مدعومة وفق استراتيجية تتجاوز بناء المنازل إلى الاستقرار الاجتماعي، وتحريك الاقتصاد، وتنشيط قطاعات الأعمال، والتوازن العُمراني. فكل قرض سكني يصنع سلسلة نشاط اقتصادية تشمل المقاولات، ومصانع البناء والأثاث، والمكاتب الهندسية، والتأمين، وغيرها من الأنشطة.

      وفي سلطنة عُمان، يبرز اسم بنك الإسكان العُماني، كأحد مشروعات الأمان الاجتماعي، محولًا الخطط التنموية إلى واقع يمنح الأسرة العُمانية الاستقرار. ويرفع البنك للمتعاملين شعار "تمكين كل مواطن من الحصول على سكن ملائم"، ولموظفيه "إسكان وأكثر"، كاشفًا ومجسدًا لجوهر وفلسفة البنك في توفير حلول مالية ميسرة تراعي ظروف المستفيدين من خدماته.

      ينطلق هذا الدور المحوري من ثلاثة محاور رئيسية: ضمان الاستقرار الأسري وتسهيل امتلاك السكن للشرائح ذات الدخل المحدود والمتوسط بفائدة مدعومة وسداد ميسر. ومنه يبرز المحور الثاني في تحريك العجلة الاقتصادية والتوسع العمراني في مختلف المحافظات، مما يقلل الهجرة للمراكز المكتظة. وأخيرًا الشراكات الاستراتيجية، سواء عبر منصة "إسكان" لتسريع الأدوار وتقليص قوائم الانتظار ضمن منظومة رقمية متكاملة تضمن الشفافية والسرعة في المعاملات، وعبر التنسيق مع وزارة الإسكان والتخطيط العمراني والبنوك التجارية لتوفير محافظ تمويلية واسعة تستوعب الطلب المتزايد على القروض الإسكانية.

      تتحدث المؤشرات عن نجاح بنك الإسكان العُماني كمؤسسة تمويلية رئيسة، من خلال توسعه في الإقراض، وزيادة حجم التمويلات، وتطوير الخدمات الرقمية، والاستثمار في رأس المال البشري. ويتجلى ذلك النجاح في تقليص مدة الانتظار، وليس فقط تسريع أدوار المستفيدين، كما أعلن موسى الجديدي الرئيس التنفيذي للبنك، خلال الاحتفال، الذي أقيم مؤخرا، بمناسبة إطلاق منصة قائمة الانتظار الرقمية للتمويل السكني.

     تتيح المنصة الرقمية التي تم تدشينها مؤخرا للمواطن إنشاء حسابه، وإدخال بياناته الشخصية والوظيفية وبيانات السكن، وتحديد تفضيلات التمويل، ورفع المستندات المطلوبة إلكترونيا، واستلام الإشعارات في جميع مراحل الطلب حتى استكمال التمويل، بما يختصر الوقت والجهد، ويعزز تجربة العميل، ويقلل الحاجة إلى زيارة الفروع خلال المراحل الأولية. 

      هذه الخطوة كشفت جاهزية البنك لتسريع إجراءات التمويل ورفع كفاءة تقديم الخدمة للمواطنين. وهنا يؤكد الرئيس التنفيذي للبنك أن قائمة الانتظار الرقمية تمثل محطة جديدة في مسيرة التحول الرقمي التي ينتهجها البنك، انسجامًا مع مستهدفات رؤية عُمان 2040، الرامية إلى بناء خدمات حكومية ذكية وأكثر كفاءة.

      هذه المسيرة، لم تأت من فراغ، فللحكاية تفاصيل ربما يغفل عنها كثير منا.

      قراءتي لمؤشرات البنك كشفت لي جملة من الخطوط العريضة التي يشكل كل واحد منها أهمية لا تقل عن الأخرى. فمنذ تأسيسه عام 1977 حتى يوليو الماضي، تجاوزت تمويلات البنك ملياري ريال عُماني. وعمل البنك على تطوير خدماته بهدف رفع كفاءة الأداء وتحسين تجربة العملاء، إلى جانب تقليص فترة انتظار المواطنين من أربع سنوات إلى أقل من 6 أشهر، والتطلع لأقل من ذلك.

      ولم تقتصر على محافظة دون أخرى؛ إذ قدّم نحو 44 ألفًا و500 قرض خارج محافظة مسقط بقيمة تتجاوز 1.3 مليار ريال عُماني، مؤكدًا العدالة المكانية في توزيع التمويل السكني والحد من التكدس السكاني.

      وخلال عام حتى يونيو المنصرم، مُنح أكثر من 4900 قرض بقيمة قاربت 233 مليون ريال عُماني. وتعكس هذه الأرقام استمرار الطلب على التمويل السكني، وقدرة البنك على تلبية احتياجات المواطنين في مختلف محافظات سلطنة عُمان.

      كما أطلق البنك برنامج "إسكان – أثر وطني" بين يناير 2024 ويوليو 2026، مستفيدًا منه نحو 9 آلاف أسرة بتمويل تجاوز 424 مليون ريال عُماني عبر 11 مؤسسة مالية شاركت في تنفيذ البرنامج، ما يوضح قوة الشراكة بين بنك الإسكان العُماني والقطاع المصرفي في سلطنة عُمان.

      ماليًا، ارتفعت محفظة القروض بنحو 10% لتبلغ 963.5 مليون ريال عُماني، ما يعكس متانة المركز المالي البنك وبالتالي قدرته على مواصلة تمويل المشروعات السكنية. ولم يغفل البنك تنمية الكفاءات، ففي عامين ونصف نفذ أكثر من 80 دورة تدريبيبة، وحصل على 30 شهادة مهنية، و20 برنامجًا لتأهيل القيادات. وهذا يؤكد توجه البنك نحو بناء كوادر قادرة على مواكبة التطورات المتسارعة في القطاع المصرفي.

      أما في التحول الرقمي، عمل البنك على تطوير عدد من الأنظمة والخدمات الرقمية، منها: إطلاق النظام المصرفي الأساسي، وتطوير بوابة الموارد الرقمية، وتطبيق نظام إدارة الموارد البشرية. وتُوجت الجهود بالحصول على جوائز: أفضل جهة في التحول الرقمي، وأفضل قائد في التحول الرقمي، والإجادة الرقمية.

      حين ننظر إلى تجربة بنك الإسكان العُماني بعيدًا عن الأرقام، نكتشف حكاية أعمق من التمويل؛ حكاية أسر وجدت في المنزل بداية لحياة آمنة. إن نجاح البنك، من وجهة نظري، يُقاس بقدرته على تحويل السكن من حلم مؤجل إلى واقع، متجسدًا كأحد روافد الاستقرار الاجتماعي والنمو العمراني في سلطنة عُمان.