صادق بن محمد سعيد اللواتي يكتب للشبيبة: من البيت الأبيض إلى عربة الفواكه – سقوط الهيمنة الأمريكية

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ١٩/أغسطس/٢٠٢٦ ٠٩:٢٨ ص
صادق بن محمد سعيد اللواتي يكتب للشبيبة: من البيت الأبيض إلى عربة الفواكه – سقوط الهيمنة الأمريكية
صادق بن محمد سعيد اللواتي

بقلم : صادق بن محمد سعيد اللواتي 

عندما يهرب رئيس "أكبر وأقوى دولة في العالم" مستخفياً في عربة فواكه بمطار إسطنبول، متخفياً من أعين الناس وهو في طريقه للعودة إلى واشنطن، فأعلم أننا أمام مشهد لم تكتبه أفلام هوليوود.

 

الموساد الإسرائيلي لم يكتف بالاختراق السياسي والاستخباراتي، بل هو يخترق الهيبة. يلعب بأكبر رأس في العالم ويجعله مادة للسخرية.

 

إن المشهد لا يعكس مجرد اختراق أمني أو هفوة بروتوكولية عابرة، بل يختصر تحولاً عميقاً في معادلات النفوذ الدولي، حيث التحقت الإدارة الأمريكية بمقعد التابع الذي يُملي عليه السلوك. إنها اللحظة التي تتكشف فيها القوة العظمى عارية من مهابتها التقليدية، حين يصنع القرار، وحتى سيناريوهات الحركة والهروب، في أروقة تل أبيب، بينما تكتفي واشنطن بتمثيل دور المنفذ المطيع دون أدنى مراعاة لمكانة الدولة وإرثها السياسي.

 

ترامب الذي يهدد ويتوعد، الذي يفرض العقوبات ويتحدث عن "أمريكا أولاً"، انتهى به المطاف يتهيأ للرجوع في صندوق خضار. هذه ليست نكتة. هذه الرسالة.

 

السؤال الذي يفرض نفسه، هل اتخذ البيت الأبيض أي إجراء ضد إسرائيل على هذه المهزلة؟ هل سمعنا استدعاء سفير، أو بيان احتجاج، أو حتى تغريدة غاضبة؟ ماذا لو كانت إيران هي من فعلت ذلك؟ ماذا لو كان خصم آخر هو من أجبر رئيس أمريكا على الاختباء؟ كنا سنرى أساطيل وجيوش تتحرك، وعقوبات تحاصر الدنيا. لكن الفاعل هو إسرائيل، فالصمت سيد الموقف.

 

الرسالة واضحة وهي أن الأقوياء حين يخضعون لإرادة أخرى يصبحون اضحوكة. وحين تتحكم إسرائيل بالقرار الأمريكي، فلا تسأل عن كرامة ولا عن عربة. وهنا تكمن الخطورة على المنطقة كلها. فدولة تُهان بهذه الطريقة في عقر دارها، كيف لها أن تضمن أمن الخلفاء؟ كيف لها أن تتحدث عن "ردع" وهي لا تملك ردع نفسها من الإذلال؟

 

العالم اليوم يعيد حساباته. والقاصي والداني يرى أن ميزان القوى لم يعد كما كان. نحن في المنطقة نعرف هذا المشهد جيداً. نعرف معنى أن تُدار القرارات من غرف مغلقة. لكن لا يصل الأمر برئيس أمريكا أن "يضحك عليه" الموساد بهذه الطريقة. فهنا الخطر.

 

العالم يتغير، والهيبة التي بنتها أمريكا لعقود تتساقط في مطار، داخل عربة فواكه. يبقى السؤال من يحكم من؟ ومن يضحك على من؟

 

ولعل الأشد خطورة في هذه المهزلة هو التحول الهيكلي في الوعي الجمعي العالمي، فقد سقطت اسطورة "الحليف الضامن" الذي لا يقهر، وظهرت واشنطن ككيان يُدار بالابتزاز والضغط الداخلي. هذا الانكشاف العاري يضع القوى الإقليمية والدولية أمام حقيقة ساطعة، أن الاعتماد على مظلة أمنية تُدار إرادتها من الخارج هو مجرد رهان على سراب، وأن الهيبة التي تُسلب في الممرات الخلفية لا يمكن ترميمها بالخطابات التهديدية أو استعراض القوة الجوفاء.