الدكتورة فاطمة الفزارية تكتب للشبيبة: تحت المجهر الحلم..حقٌ لا يُصادر

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٠٥/أغسطس/٢٠٢٦ ١٥:٤٢ م
الدكتورة فاطمة الفزارية تكتب للشبيبة: تحت المجهر الحلم..حقٌ لا يُصادر
الدكتورة فاطمة الفزارية

بقلم : الدكتورة فاطمة الفزارية

أتى خبر رحيل نظيرة الحارثية صادمًا لكل عماني، ليس لأنها كانت أول امرأة عمانية تبلغ قمة جبل إيفرست، بل لأنها كانت تمثل قصة إنسان آمن بحلمه، وسار إليه بخطوات ثابتة، حتى أصبح مصدر إلهام لوطن بأكمله. لقد حملت علم سلطنة عُمان إلى أعلى نقطة على وجه الأرض، لتؤكد أن الإرادة العمانية قادرة على الوصول إلى حيث تبدو الأحلام بعيدة، وأن المرأة العمانية قادرة على كتابة تاريخها بعملها وإصرارها، لا بالكلمات وحدها.

لم يكن صعود إيفرست رحلة عابرة، ولا مغامرة تبحث عن الشهرة، بل كان ثمرة سنوات من التدريب، والإعداد، والانضباط، والتحدي. فالوصول إلى أعلى قمة في العالم لا يتحقق بالحماس وحده، وإنما بعلم، وخبرة، وصبر، وقدرة على اتخاذ القرار في أصعب الظروف. ولهذا، فإن الإنجاز الذي حققته نظيرة لم يكن إنجازًا شخصيًا فحسب، بل إنجازًا وطنيًا يحق لكل عماني أن يفخر به.

ومع انتشار خبر وفاتها، لفت انتباهي أمرٌ آخر، وهو أن بعض الأصوات لم تتوقف عند الإنجاز، بل سارعت إلى محاكمة الحلم نفسه، وكأن الإنسان يُلام لأنه اختار أن يعيش شغفه، أو لأن طموحه قاده إلى طريق مليء بالتحديات. وهنا يجب أن نتوقف قليلًا، فالحياة لم تُخلق بلا مخاطر، والإنجاز لم يكن يومًا طريقًا مفروشًا بالأمان الكامل.

إن الحلم حقٌ لا يُصادر، ومن حق كل إنسان أن يسعى إلى تحقيقه ما دام يسلك طريقه بالعلم، والإعداد، والمسؤولية، واحترام الأنظمة ومعايير السلامة. ولو كان الخوف من المخاطر سببًا للتراجع، لما أبحر المستكشفون، ولا حلق الطيارون، ولا وصل الإنسان إلى الفضاء، ولا وقف عماني أو عمانية يومًا على قمة إيفرست رافعًا علم وطنه بكل فخر.

لقد علمتنا نظيرة أن النجاح الحقيقي يبدأ من الإيمان بالنفس. لم تنتظر من يرسم لها الطريق، ولم تسمح للصورة النمطية أن تحدد سقف طموحها، بل اختارت أن تصنع لنفسها مكانًا بين أصحاب الإنجازات، وأن تثبت أن الإرادة أقوى من العوائق، وأن الطموح لا يعرف جنسًا ولا عمرًا ولا حدودًا جغرافية.

إن الأمم لا تُبنى بالمشروعات والطرق والمباني وحدها، بل تُبنى أيضًا بالنماذج الإنسانية التي تزرع الأمل في نفوس أبنائها. فكم من شاب أو شابة قد يغير مسار حياته بعد أن يقرأ قصة شخص بدأ بحلم صغير، ثم حوله إلى إنجاز عالمي. وهذه هي القيمة الحقيقية للقدوة، فهي لا تُلقي الخطب، بل تكتب رسالتها بالفعل.

ومن هنا، فإن قصة نظيرة الحارثية يجب ألا تتوقف عند خبر رحيلها، بل ينبغي أن تتحول إلى قصة تُروى في المدارس والجامعات والمنتديات الشبابية، لأنها تحمل معاني الإصرار، والانضباط، والعمل الجاد، والإيمان بالوطن. فالأجيال الجديدة بحاجة إلى نماذج حقيقية من بيئتها وثقافتها، تؤكد لها أن الوصول إلى القمة ليس حلمًا مستحيلًا، بل نتيجة طبيعية لمن يعمل بإخلاص ولا يستسلم.

كما أن المؤسسات المعنية بالشباب والرياضة والثقافة مطالبة بأن توثق مثل هذه التجارب، وأن تحتفي بأصحابها وهم بيننا، لا أن يقتصر الاحتفاء بهم بعد رحيلهم. فالمبدع يحتاج إلى من يؤمن به قبل أن يحتاج إلى من يرثيه، وصاحب الإنجاز يستحق أن يجد الدعم والتقدير وهو يواصل رحلته، لا بعد أن تنتهي.

ولعل أجمل وفاء يمكن أن نقدمه لنظيرة الحارثية هو أن يبقى اسمها حاضرًا في ذاكرة الوطن، من خلال مبادرات أو برامج أو جوائز تحمل اسمها، لتظل مصدر إلهام لكل فتاة وكل شاب يؤمن بأن الأحلام الكبيرة تستحق أن تُطارد، وأن رفع علم عُمان في المحافل العالمية مسؤولية وشرف قبل أن يكون إنجازًا.

ورغم الحزن الذي خلفه رحيلها، فإن رسالتها باقية. فقد أثبتت أن الإنسان قد يرحل، لكن أثره يبقى، وأن القمم ليست مجرد جبال من الصخور والثلوج، بل هي قمم الإرادة، والعزيمة، والإيمان بالذات. وستظل نظيرة الحارثية واحدة من تلك الأسماء التي كتبت صفحة مشرقة في سجل المرأة العمانية، ورسخت معنى أن الطموح لا يقف عند حدود المستحيل.

نسأل الله تعالى أن يتغمد الفقيدة نظيرة الحارثية بواسع رحمته، وأن يسكنها فسيح جناته، وأن يلهم أهلها وذويها الصبر والسلوان، أما نحن، فمسؤوليتنا اليوم ألا نحفظ اسمها في خبر عابر، بل في ذاكرة وطن، وأن نعلم أبناءنا أن الأحلام العظيمة لا تُولد من الخوف، بل من الإيمان، وأن الإنسان لا يُحاسب لأنه حلم، بل يُذكر لأنه امتلك الشجاعة ليسعى إلى حلمه. فبعض الأحلام تصنع أصحابها، وبعض أصحاب الأحلام يصنعون تاريخًا، أما نظيرة الحارثية، فقد صنعت الاثنين معًا، وستبقى قصتها شاهدًا على أن الحلم… حقٌ لا يُصادر.