في كل مرة تعلو فيها أصوات المحركات بين جبال عُمان وأوديتها، يعود بنا المشهد إلى قصة رياضية بدأت قبل أكثر من أربعة عقود، عندما كانت رياضة المحركات في السلطنة حلمًا يتشكل على أيدي مجموعة من الرواد الذين آمنوا بقدرتها على أن تكون واحدة من أبرز الرياضات العُمانية وأكثرها حضورًا وتأثيرًا.
وتعود البداية الحقيقية لرياضة المحركات العُمانية إلى ثمانينيات القرن الماضي، عندما تم إنشاء مكتب متخصص في منطقة روي تحت مظلة صندوق تقاعد شرطة عُمان السلطانية، قبل أن تنتقل الأنشطة لاحقًا إلى مرتفعات المطار التي شكلت محطة مهمة في تاريخ هذه الرياضة. وهناك بدأت السباقات المحلية المنظمة، وبدأت معها ملامح مدرسة عُمانية متخصصة في رياضة السيارات والراليات تتبلور عامًا بعد عام.
وما يميز تلك المرحلة أن رياضة المحركات لم تكن نشاطًا محدودًا، بل حظيت باهتمام رسمي كبير، حيث شهدت العديد من السباقات حضور حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – خلال فترة الثمانينيات، إلى جانب المغفور له بإذن الله صاحب السمو السيد قيس بن طارق، وعدد من أصحاب المعالي والسعادة والمسؤولين والمهتمين بالرياضة. وقد منح هذا الاهتمام الرسمي دفعة قوية للرياضة وأسهم في ترسيخ مكانتها داخل المجتمع الرياضي العُماني.
كما استفادت رياضة المحركات من وجودها تحت مظلة شرطة عُمان السلطانية التي وفرت البيئة التنظيمية المناسبة والدعم الإداري اللازم، إلى جانب الإشراف الرياضي الرسمي الذي تطور لاحقًا تحت مظلة وزارة الثقافة والرياضة والشباب. وكان لهذا الاستقرار الإداري والتنظيمي دور محوري في نمو الرياضة وتوسعها واستقطاب أعداد متزايدة من الشباب العُماني.
ولعل من أبرز عوامل نجاح رياضة المحركات في السلطنة الطبيعة الجغرافية الفريدة التي تتمتع بها عُمان. فمن جبال مسقط الشاهقة إلى طرقات الداخلية المتعرجة، ومن الأودية إلى السهول والصحارى الممتدة، وجدت الراليات والسباقات بيئة مثالية تجمع بين التحدي والإثارة. ولم تقتصر المنافسات على محافظة مسقط، بل امتدت إلى عدد من المحافظات الأخرى، من بينها شمال الباطنة، لتتحول رياضة المحركات إلى نشاط وطني حاضر في مختلف أرجاء السلطنة.
ومع اتساع قاعدة المشاركين وارتفاع مستوى التنظيم، أثبتت الكفاءات العُمانية جدارتها في إدارة البطولات وتحكيمها وتنظيمها وفق أعلى المعايير الدولية. ولم يكن مستغربًا أن تحظى السلطنة بثقة الاتحاد الدولي للسيارات، وأن تستضيف العديد من أهم جولات وبطولات الشرق الأوسط، في تأكيد واضح على المكانة التي وصلت إليها الكوادر الوطنية في هذا المجال.
كما لعب الإعلام الرياضي العُماني دورًا مهمًا في دعم هذه المسيرة، حيث واكب السباقات والبطولات وسلط الضوء على النجاحات والإنجازات، مما عزز من شعبية الرياضة ورسخ حضورها في الوعي الرياضي المحلي. فالنجاح الرياضي لا يكتمل دون إعلام مهني قادر على نقل الصورة وصناعة الحكاية، وهو ما تحقق بامتياز في تجربة رياضة المحركات العُمانية.
وعندما يُذكر تاريخ هذه الرياضة، فإن اسم عميد المتسابقين العُمانيين حمد الوهيبي يفرض نفسه بقوة. فقد كان وما زال أحد أبرز رموز رياضة المحركات في السلطنة، وأسهم على مدى سنوات طويلة في بناء سمعتها وتعزيز حضورها على المستويات الخليجية والعربية والدولية. كما لا يمكن إغفال الدور الذي لعبه المتسابق نزار الشنفري، الذي سجل حضورًا لافتًا وإنجازات مميزة على المستويين المحلي والخارجي، وكان أحد الأسماء التي أسهمت في ترسيخ مكانة الرياضة العُمانية في المحافل المختلفة.
أما على صعيد الإنجازات الدولية الحديثة، فقد قدمت السلطنة أسماءً لامعة رفعت العلم العُماني عاليًا في أهم المحافل العالمية. ويأتي في مقدمتهم أحمد الحارثي، السائق العُماني العالمي الذي أصبح رمزًا للنجاح في سباقات الحلبات والسيارات السياحية الدولية، محققًا نتائج مشرفة أكدت قدرة السائق العُماني على منافسة نخبة الأبطال العالميين.
كما يبرز الفيصل بن خالد الزبير الذي واصل صناعة الإنجازات في بطولات “جي تي” العالمية، مؤكدًا مكانته بين أبرز السائقين العرب الشباب على الساحة الدولية، حيث ارتبط اسمه بمنصات التتويج والفئة الذهبية في العديد من السباقات العالمية، ليصبح نموذجًا مشرفًا للشباب العُماني الطامح إلى العالمية.
وفي عالم الراليات، يواصل عبدالله الرواحي كتابة فصول جديدة من التألق، بعدما فرض حضوره بقوة على مستوى الشرق الأوسط، متفوقًا على العديد من أقرانه، ومحققًا نتائج متميزة أكدت قدرته على المنافسة على الصدارة والزعامـة في واحدة من أكثر الرياضات تحديًا وإثارة.
ولم تقتصر آثار رياضة المحركات على الجانب الرياضي فقط، بل امتدت إلى مجالات أخرى لا تقل أهمية. فقد لعبت هذه الرياضة دورًا بارزًا في الترويج السياحي للسلطنة، حيث نقلت صور الجبال والأودية والصحارى العُمانية إلى ملايين المشاهدين حول العالم. كما أسهمت البطولات الدولية في استقطاب الزوار والفرق والمتابعين، مما عزز حضور سلطنة عُمان على خارطة السياحة الرياضية العالمية.
وتبقى ولاية العامرات واحدة من أبرز محطات رياضة المحركات في السلطنة، بما تمتلكه من تضاريس ومسارات تمنح السباقات طابعًا خاصًا يجمع بين الجمال الطبيعي وقوة المنافسة. وهناك تتطاير ذرات الغبار خلف السيارات المسرعة، وتُكتب فصول جديدة من قصة رياضية بدأت منذ الثمانينيات وما زالت مستمرة حتى اليوم. كما أن الزائر للجمعية العُمانية للسيارات يجد نفسه أمام مدينة متكاملة لرياضة المحركات، ومعلم رياضي وسياحي فريد على مستوى الشرق الأوسط، يجسد حجم التطور الذي وصلت إليه هذه الرياضة في السلطنة.
إن رياضة المحركات العُمانية ليست مجرد سباقات للسرعة، بل هي قصة وطن آمن بشبابه واستثمر في طاقاتهم، وقصة كوادر وطنية نجحت في الوصول إلى العالمية، وقصة رياضة تحولت من منافسات محلية محدودة إلى منصة دولية تحمل اسم سلطنة عُمان إلى مختلف القارات. وبين أمس البدايات واليوم، تبقى رياضة المحركات واحدة من أنجح التجارب الرياضية العُمانية، ونموذجًا يؤكد أن الطموح عندما يقترن بالإرادة والدعم والعمل المؤسسي، فإن نتائجه تتجاوز حدود التوقعات وتصنع إنجازات تبقى شاهدة للأجيال القادمة.