
فتحت الأكاديمية العُمانية المختصة في الدراسات والتميز المؤسسي، الدكتورة رحمة البلوشية، قبل ايام قليلة فترة، نافذة لنقاش إداري وتنموي بالغ الأهمية والحساسية، وذلك في مقالها الرصين المعنون بـ: "هل ستتحول المؤسسات إلىمكاتب تنسيق للشركات الاستشارية؟ قراءة في آثارالاعتماد المفرط على عقودالاستشارات والخدمات". هذا الطرح لم يكن مجرد قراءة عابرة في المشهد الإداري، بل مثل صيحة تحذير عقلانية تضع الإصبع على جرح غائر في جسد الكثير من مؤسساتنا الحديثة -سواء في القطاع الحكومي أو الخاص- التي انقادت وراء إغراء الاستعانة المفرطة بالشركات الاستشارية وبيوت الخبرة الخارجية.
ولئن كانت الاستعانة بالخبير الخارجي ممارسة مشروعة، بل وضرورية في بعض المحطات الاستثنائية لنقل المعرفة وتجاوز العقبات التخصصية، إلا أن الإشكالية الخطيرة - كما تفضلت الدكتورة - تكمن في تحول هذا "الدواء المؤقت" إلى "نمط تشغيلي دائم"، يعيد صياغة هوية المؤسسات ووظيفتها الجوهرية. إن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل نحن أمام مؤسسات تصنع المعرفة والحلول، أم أننا بصدد تحويل مؤسساتنا إلى مجرد "مكاتب تنسيق" وسكرتارية تنفيذية تدير عقود الشركات الاستشارية؟
تآكل الذاكرة التنظيمية وفرص التعلم
إن القيمة الحقيقية لأي مؤسسة لا تُقاس بحجم الميزانيات التي تنفقها، ولا بعدد التقارير الأنيقة والمزينة بالرسوم البيانية التي تتسلمها من الشركات الاستشارية، بل تُقاس بقيمتها المعرفية وقدرتها على توليد الحلول من داخل هياكلها التنظيمية.
وكما حذرت الدكتورة رحمة البلوشي في مقالها، فإن إسناد الأعمال الجوهرية والخطط التشغيلية إلى أطراف خارجية بشكل مستمر، يؤدي حتماً إلى "تآكل الذاكرة التنظيمية" تدريجياً. إن الموظف الداخلي يُحرم هنا من أهم أدوات التطور المهني وهي "التعلم بالممارسة" bm{Learning} bm{by} bm{doing}). وبمرور الوقت، يتحول الكادر الوطني من مبدع، وصانع سياسات، ومبتكر للحلول، إلى مجرد مراقب عقد (Contract Manager) تنحصر مسؤوليته في متابعة التزام الشركة الاستشارية ببنود الاتفاقية ومواعيد التسليم.
الاغتراب الوظيفي وضبابية الصلاحيات
لا تقف آثار هذا الاعتماد المفرط عند الجانب المعرفي والمالي فحسب، بل تمتد لتضرب البيئة الاجتماعية والنفسية داخل المؤسسة. وفي هذا السياق، تضيء الكاتبة على نقطة بالغة الحساسية، وهي حالة "تداخل الصلاحيات وضبابية المسؤوليات" التي تنشأ عندما يمارس متعاقدون مؤقتون أدواراً تشغيلية أو إشرافية داخل بيئة العمل.
عندما يجد الموظف الثابت والمثابر نفسه يتلقى التوجيهات أو الإشراف من أفراد لا ينتمون إلى الهيكل الوظيفي للمؤسسة، ولا يخضعون لمنظومة المحاسبة والمساءلة الإدارية ذاتها، ينشأ نوع من الاغتراب الوظيفي. هذا الوضع يضعف الإحساس بالاستقرار، ويزعزع الولاء المؤسسي، ويخلق بيئة عمل رمادية تتوزع فيها المسؤوليات وتضيع فيها خطوط المحاسبة عند حدوث أي إخفاق.
قلب المنطق الاقتصادي للاستشارة
تسوق العقود الاستشارية دائماً على أنها "استثمار طويل الأجل في الجودة والكفاءة". هذا المنطق يكون صحيحاً في حالة واحدة فقط: إذا غادرت الشركة الاستشارية المؤسسة وقد تركت وراءها كادراً بشرياً قادراً على إدارة العمل بنفس الكفاءة دون حاجة إليها مستقبلاً.
أما عندما تتحول هذه العقود إلى بنود ثابتة وتكاليف تشغيلية متكررة تجدد تلقائياً مع كل مشروع جديد، فإننا نكون أمام تبديد مالي وفشل إداري. تصبح المؤسسة رهينة للاستشاري؛ فانتهاء العقد يعني حرفياً خروج المعرفة والخبرة من الباب الخلفي، لتبدأ المؤسسة رحلة البحث عن استشاري آخر ليفك شفرات ما بناه الاستشاري الأول، بدلاً من تقليص الحاجة إليهم.
بوصلة التنمية الوطنية ورؤية عُمان 2040
لقد كان ربط الدكتورة رحمة لهذا التحدي الإداري بأولويات التنمية الوطنية ربطاً ذكياً وموفقاً؛ فرؤية عُمان 2040 تؤكد في جوهرها على "بناء القدرات الوطنية، وتوطين المعرفة، وتطوير رأس المال البشري" كركائز أساسية لاقتصاد المعرفة والابتكار.
إن شراء المعرفة والحلول الجاهزة من السوق دون اشتراطات حازمة لنقل المعرفة (bm{Knowledge} bm{Transfer}) هو استنزاف للموارد وتأجيل مستمر لتمكين الكفاءات الوطنية. الاستشاري الناجح ليس من يجعل نفسه عنصراً لا يمكن الاستغناء عنه، بل هو - كما لخصت الكاتبة بدقة- من يغادر المؤسسة وقد نقل خبرته وأدواته، وجعل المؤسسة أكثر قدرة على الاستغناء عنه في المستقبل.
خاتمة وتوصيات: نحو حوكمة رصينة للاستشارات
إن تفكيك فخ "إدمان الاستشارات" الذي حذر منه مقال الدكتورة رحمة البلوشية لا يعني إعلان الحرب على الشركات الاستشارية أو إلغاء أدوارها بالكامل، بل يعني إعادة تعريف دور الاستشاري وضبط حوكمته ليكون شريكاً في بناء القدرات لا بديلاً عنها. ولتحقيق ذلك، يجب على المؤسسات تبني استراتيجية واضحة تقوم على:
الزامية نقل المعرفة: ألا يُغلق أو يُسدد أي عقد استشاري مالم يتضمن مؤشرات أداء قياسية (bm{KPIs}) تثبت تدريب وتمكين فريق وطني موازٍ داخل المؤسسة على الأدوات والمنهجيات المستخدمة.
حظر إسناد الأعمال السيادية: إبقاء المهام الإدارية الجوهرية، والوظائف الفكرية، وصناعة القرارات الاستراتيجية في يد الكوادر الداخلية، وحصر الاستشارات في القضايا الفنية التخصصية جداً.
إعادة توجيه الإنفاق: توجيه جزء من ميزانيات الاستشارات الضخمة نحو برامج التدريب المتقدمة والتطوير المهني والنوعي للموظفين الدائمين.
إن بناء مؤسسات قوية ومستدامة لا يتحقق برصّ العقود الاستشارية الفاخرة على الرفوف، بل بتراكم الخبرات داخل عقول وسواعد أبنائها. ونختم بما ختمت به الدكتورة مقالها الملهم، بأن: "بناء القدرات الوطنية يبدأ من بناء وتمكين قدرات المؤسسة نفسها".