مُلتقيات المُغامرات الصّحراوية...شغفٌ شبابيٌّ ورافدٌ سياحيٌّ محليٌّ مُستدامٌ

بلادنا الثلاثاء ٢١/يوليو/٢٠٢٦ ١١:٣٢ ص
مُلتقيات المُغامرات الصّحراوية...شغفٌ شبابيٌّ ورافدٌ سياحيٌّ محليٌّ مُستدامٌ

الشبيبة - العمانية 

 تجسّد مُلتقيات الدّفع الرباعي والمغامرات الصحراوية في سلطنة عُمان نموذجًا يجمع بين حبّ الاكتشاف والوعي بمعايير السلامة.

حيث نجحت المجموعات الشبابية في تحويل الرحلات البرية من هِواية استعراضية إلى منظومة مُتكاملة تنطلق من الوعي بالسلامة والإجراءات الفنية الصارمة للمركبات وقانون انضباط القيادة الذاتية إلى تعزيز المسؤولية المجتمعية، واكتملت هذه المنظومة من خلال تبنّي سلوكاتٍ واعية تضمن حماية وصون البيئة واستدامتها، مما أسهم في تحويلها إلى رافد اقتصاديّ وسياحيّ يجسّد قدرة الشباب العُماني على الموازنة بين المغامرة والحفاظ على سلامة الأفراد والبيئة ويعكس مدى نضجهم ووعيهم في هذا الجانب.

وفي هذا السياق يقول عبد الله بن مسعود الريامي صاحب (ورشة أوتوفيكسر) المختصة في تهيئة المركبات إن هِواية قيادة مركبات الدفع الرباعي في سلطنة عُمان تطورت بشكل كبير، ولم تعد مجرد قيادة على الرمال أو استعراض للمهارات، بل أصبحت تعتمد على الوعي الفني والالتزام بمعايير السلامة قبل الانطلاق إلى أي رحلة.

وأضاف أن الشاب العُماني أصبح أكثر حرصًا على تجهيز مركبته وفق أسس فنية صحيحة من خلال العمل على سلامة نظام التعليق، والمقود، والفرامل، والإطارات، والتأكد من عدم وجود أي تسريبات أو أعطال ميكانيكية قد تتسبب في تعطل المركبة داخل الصحراء، أضف إلى ذلك وضع التجهيزات المناسبة مثل نقاط السحب المعتمدة، وألواح الحماية السفلية، وضبط ضغط الإطارات بما يتناسب مع طبيعة الرمال، مع تجنب أي تعديلات عشوائية قد تؤثر على ثبات المركبة أو سلامتها.

ووضّح أن فرق وهُوّاة الرحلات الصحراوية، تضع اشتراطات واضحة وصارمة قبل المشاركة في أي رحلة، من بينها إجراء فحص شامل للمركبة، والتأكد من توفر معدات السّلامة والإنقاذ، وعدم السماح لأي مركبة غير مهيأة بالمشاركة، وتحرص الفرق على تثقيف الأعضاء الجدد بأساسيات القيادة الآمنة والتعامل مع الظروف الطارئة، وهو ما يعكس المستوى العالي من المسؤولية والوعي.

وأكد الريامي على أن هذا الالتزام جعل الرحلات اليوم أكثر تنظيمًا واحترافيّةً، وأسهم في تقليل الأعطال والحوادث، كما أصبح التعاون والتنسيق بين الورش المتخصصة، وشركات تجهيز سيارات الدفع الرباعي، والفرق الشبابية عاملًا مهمًّا في تعزيز ثقافة السلامة، بما يضمن الاستمتاع بهذه الهِواية مع المحافظة على الأرواح والممتلكات.

وذكر الريامي أن الجانب المُهمّ في تجهيز مركبات الرحلات الصحراوية، تشمل الحرص على تزويدها بمعدات الإنقاذ الأساسية، مثل جهاز سحب المركبات (الونش)، وحبال السحب المعتمدة، والشِّكلات، وألواح فك التغريز، وضاغط الهواء، وأدوات الإصلاح السريع للإطارات موضحًا أن هذه التجهيزات لا تهدف إلى زيادة قدرات المركبة فحسب، وإنما تضمن سرعة الاستجابة في حالات التغريز أو التعطل في المناطق الرملية، وتُسهم في تنفيذ عمليات الإنقاذ بطريقة آمنة ومنظّمة، دون تعريض الأشخاص أو المركبات لمخاطر إضافية.

وفي شأن انضباط القوافل والقيادة الذاتية قال عبد الله بن حمود الخنبشي، خبير في المغامرات الصحراويّة، إن قيادة مركبات الدفع الرباعي في البيئة الصحراوية تتطلب مهارات متخصّصة تختلف عن القيادة على الطرق المعبدة، وتشمل الإلمام بطبيعة الكثبان الرملية، واختيار المسارات المناسبة مع التحكم في سرعة المركبة وتطبيق أساليب الصعود والنزول الآمن بما يسهم في الحدّ من أخطار التغريز والانقلاب ويعزز سلامة الرحلات.

وأضاف الخنبشي أنّ استخدام أجهزة تحديد المواقع "Gps" يمثّلُ أساسًا في تحديد المواقع بدقة وتخطيط المسارات والعودة الآمنة إلى نقطة الانطلاق فضلًا عن دوره في تسهيل مشاركة المواقع مع أفراد المجموعة.

وبيّن إن القيادة ضمن مجموعات تعد أساسًا في الرحلات الصحراوية بما لا يقل عن 3 مركبات ما يضمن سرعة الاستجابة للحالات الطارئة وإمكانية تنفيذ عمليات السحب والإنقاذ عند تعطل المركبات ويسهم في تعزيز التعاون بين جميع المشاركين طوال الرحلة، مشيرًا إلى أن تنظيم الرحلات والمسابقات الدورية لفرق القيادة الصحراوية يسهم في تعزيز العلاقة المهنية والاجتماعية بين المشاركين، وتوسّع مجالات التواصل والتعاون، إضافة إلى تبادل الخبرات في مجالات القيادة الصحراوية وترسيخ قيم العمل الجماعي والمنافسة الإيجابية.

وتطرق عاصم بن حبيب الله الشيزاوي عضو فريق "فزعة للإنقاذ" عن دور الفريق المهمّ في التحول من الهِواية إلى خط الدفاع التطوعي، فقال إن تحول قيادة مركبات الدفع الرباعي في الصحراء من هِواية إلى دور تطوّعي انطلق من الإحساس بالمسؤوليّة المجتمعيّة وما يحمله الشباب العُماني من قيم الفزعة والتكافل.

ووضّح أن علاقة الشباب العُماني بالصحراء بدأت بشغف نحو الاستكشاف، والتخييم وقيادة سيارات الدفع الرباعي فوق الرمال إلا أنه بعد تكرار حالات فقدان السّياح وعلوق العائلات بالصحراء عزّز الشعور بالمسؤوليّة والواجب الإنساني في حماية الأرواح وتقديم العون لهم.

وأشار إلى أن الفريق يسعى إلى تعزيز رغبته الصادقة في حماية مرتادي الصحراء من المُواطنين والمُقيمين وتلبية نداء الاستغاثة دون انتظار مُقابل من خلال ما يملكه من مركبات خاصّة ومعدّات شخصيّة انطلاقًا من قيم التكافل التي تربى عليها المجتمع العُماني وإعادة إحياء المفهوم العُماني التّقليدي لـ (الفزعة) بأسلوب وأدوات عصريّة حديثة. مؤكدًا على أن فريق العمل التطوعي في مجال الإنقاذ الصحراوي قائم على خبرات ميدانية أسهمت في تعزيز مهارات أعضاء الفريق في قراءة رمال الصحراء، وتتبع الأثر، ومعرفة المسالك الوعرة لخدمة الإنقاذ فضلًا عن دوره في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لنشر ثقافة السّلامة الصحراويّة.

وتطرق الشيزاوي إلى آليات التّنسيق الذّاتي والعمل الميداني التي انتهجها الفريق مشيرًا إلى تأسيس ترابط رقمي عبر إنشاء مجموعات سريعة لتبادل الإحداثيات وتوزيع المهام فور سماع أي بلاغ، بالإضافة إلى تقسيم الفريق ميدانيًّا إلى فرق لتعقب الأثر وتجهيز معدات السّحب والإسعافات الأولية، مع الحرص على التجهيز الذاتي من خلال تطوير المركبات الخاصّة وتزويدها بمعدات الملاحة وأجهزة الاتصال اللاسلكي والرّافعات ومعدّات الملاحة، فضلًا عن بنك المعلومات والذي يوفر خرائط ذهنية دقيقة لطبيعة الرمال المتغيرة التي يتعذر وجودها في الأجهزة العادية، والدعم اللوجستي العفوي الذي يقدمه المجتمع المحلي مع الفريق من خلال توفير الوقود، والماء أو الوجبات خلال عمليات البحث الطويلة.

ووضّح أنّ الفريق يتولّى تقديم الدعم وبالتعاون مع الجهات المختصة ويتعامل مع الحالات والبلاغات الصادرة من تلك الجهات أو حتى من أفراد المجتمع، ويتشارك الإحداثيات والمعلومات الميدانية الدقيقة لسهولة الوصول إلى المواقع. وأكّد في سياق حديثه على أن فريق "فزعة" يعمل كقوة إسناد بشري وآلي في الأماكن الوعرة مما يرسخ قيم التواصل التي يتحلى بها المجتمع العُماني ويعكس صورة مشرفة عن وعي الشاب العُماني وحرصه على سلامة الأفراد.

من جانبه تحدث ناجم بن محمد الجابري "مرشد سياحي" ومُهتمٌّ بجوانب التخييم في المناطق الصحراوية عن الجوانب البيئية مؤكدًا على أن الوعي البيئي في الحفاظ على المقومات السياحية تضمن استدامتها للأجيال القادمة، ومن الضرورة الحد من ممارسة السلوكات التي تسبب أضرارًا على البيئة الصحراويّة مثل العبث بها من خلال ترك المخلفات مرورًا بالقيادة في المسطحات الخضراء والأماكن التي تنبت فيها النباتات الصحراوية التي تستغرق سنوات طويلة لتنمو، أضف إلى ذلك ترك النار مشتعلة دون إطفائها.

ووضح الجابري أنه يجب مواجهة تلك التصرّفات بصرامة، وحثّ الشباب على تطبيق الأدوات والأساليب الفعالة من خلال التزام سائقي المركبات والدّراجات بالمسارات الممهّدة مُسبقًا بدلًا من القيادة العشوائية التي قد تدمّر الغطاء النباتي وتتلف الكائنات الدقيقة، مع تجنّب القيادة أو التّخييم في فترات تكاثر النباتات البرية بعد هطول الأمطار على سبيل المثال.

وأشار الجابري إلى ضرورة إلى خفض ضغط الإطارات لتقليل الأثر السلبي على الرمال وضمان توزيع وزن المركبة بشكل يحمي السطح الصحراوي.

وأضاف أنه على مرتادي المناطق الصحراوية اتباع الطرق الصحيحة للتعامل مع المحيط الصحراوي ومنها التخييم على مسافات آمنة عن وجود الحيوانات البرية وتجنّب إزعاجها بالأصوات أو الأضواء التي تؤثر على نمط حياتها الطبيعي، ولأجل هذا أيضا شكّل الشباب فرقًا تطوعيّة متخصّصة في رصد أي تجاوزات بيئية مثل التجريف أو التعدي على الحياة البرية والإبلاغ عنها في الجهات المختصة بما يجسد وعي الشباب في الحفاظ على الموارد الطبيعية.

وبيّن الجابري أن هذا الدور يكتمل بالشراكة الفاعلة مع الجهات الرّسمية عبر الالتزام بالقوانين والتشريعات البيئية، والإبلاغ عن أي ممارسات تضر بالمحميات الطبيعية أو الحياة الفطرية، والمشاركة في المبادرات الوطنية الهادفة إلى استزراع النباتات البرية، ومكافحة التصحر، والحفاظ على التنوع الأحيائي والدور الذي تؤديه الفرق الأهليّة والتطوعيّة من خلال حلقات العمل التثقيفية للأعضاء الجدد بأساليب القيادة الآمنة والبيئيّة، ودمج جهود الفرق الرياضية والشبابية مع جمعيات البيئة المحلية لتنفيذ حملات تنظيف وتوعية واسعة النطاق.

وفيما يتعلق بدور المغامرات في دعم السياحة الداخلية والاقتصاد المحلي وضّح الصلت بن سالم الخليلي صانع محتوى مغامرات صحراوية إن الشباب العُماني نجح في توظيف شغفه بالرحلات البرية في تنشيط السياحة الداخليّة ودعم الاقتصاد المحلي، حيث أصبح له دور كبير في إحياء الحركة السياحية من خلال الفعاليات والملتقيات التي تقام في المناطق الصحراوية وتستقطب الزوار من داخل سلطنة عُمان وخارجها.

وأكد الخليلي على أن شغف الشباب لم يعد هِواية بل تحوّل إلى مشروعات واستثمارات حقيقية حيث توجهوا نحو تأسيس الورش المتخصّصة لخدمة مركبات الدفع الرباعي، وشركات تنظيم الرحلات السياحية ونقل الزوار بالإضافة إلى افتتاح المقاهي، والمطاعم، والمخيمات والخدمات المتنوعة التي تخدم السائح، فقد أسهمت هذه المنظومة المتكاملة في إيجاد فرص عمل، وتحريك الاقتصاد وتنشيط القرى القريبة من المناطق السياحية.

وبيّن الخليلي أن الإعلام الرقمي هو إحدى أدوات الترويج السياحي التي استثمرها صنّاع المحتوى الرقمي للتعريف بالمقومات السياحية العُمانية أمام ملايين المتابعين. فالمحتوى الذي يقدمه الشباب العُماني عبر منصات التواصل الاجتماعي من صور، ومقاطع للفيديوهات والتجارب الواقعية تثير فضول الناس وتشجعهم على زيارة سلطنة عُمان وخوض التجربة بأنفسهم، مشيرًا إلى أن الإعلام الرقمي لم يقتصر على الترويج للمواقع السياحية فقط، بل أصبح منصة لدعم المشروعات المحلية والتعريف بها حيث نجح الكثير من الشباب في التسويق لشركاتهم السياحية، والمخيمات، والمقاهي، ومؤسسات الضيافة والخدمات المرتبطة بالرحلات البرية، الأمر الذي أسهم في زيادة الإقبال على هذه المشروعات وتعزيز استدامتها. فالاستثمار في شغف الشباب، ودعم صناعة المحتوى، وتطوير الخدمات في المناطق السياحية أصبح رافدًا اقتصاديًّا يعزّز مكانة سلطنة عُمان باعتبارها وجهة سياحية مميزة.

ويشاركه الرأي في السياق ذاته محمد بن عبد الله المنذري، مغامر صحراوي و"صانع محتوى" فقال إن الشاب العُماني أثبت قدرته في تحويل الشغف بالرحلات البرية وقيادة سيارات الدفع الرباعي إلى منصة فاعلة لدعم السياحة الداخلية وخدمة الاقتصاد المحلي من خلال التعريف بالمقومات الطبيعية التي تزخر بها سلطنة عُمان وإبراز مواقعها الصحراوية الفريدة أمام الزوار داخل سلطنة عُمان وخارجها، كما وضّح أن القرى والمناطق المحاذية للرمال شهدت حراكًا اقتصاديًّا نشطًا من خلال الإقبال على محطّات الوقود، والمطاعم، والمقاهي، ومحلات التموينات وخدمات التخييم وتأجير المعدات وورش صيانة المركبات مما انعكس إيجابًا على أصحاب المشروعات الصغيرة والأسر المنتجة وأسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي بصورة مباشرة.

وذكر أن الإعلام الرقمي من خلال وسائل التواصل الاجتماعي لعب دورًا محوريًّا في هذا الجانب، حيث أصبح صنّاع المحتوى الرقمي يمثلون واجهة سياحيّة حديثة من خلال إنتاج الصور والفيديوهات الاحترافية التي تبرز جمال سلطنة عُمان وتنوعها الجغرافي وروح الضيافة العُمانية التي تصل إلى ملايين المُتابعين عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي.

وأكّد المنذري على أن المحتوى الرقمي أصبح أحد العوامل المهمة التي شجعت هواة الدفع الرباعي على زيارة سلطنة عُمان والمشاركة في الرّحلات والمُلتقيات الصحراوية وهذا بدوره أسهم في تعزيز السياحة الدّاخلية واستقطاب الزوار الإقليميين ودعّم المكانة المحلية لسلطنة عُمان بوصفها وجهة رائدة لعشاق المغامرات الصحراوية.

ولكي تستمر هذه النجاحات، فإن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز الشّراكة بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص ومنظمي الفعاليات وصنّاع المحتوى من خلال تنظيم فعاليات صحراوية كبرى وفق معايير احترافية، وتوفير الخدمات والبنية الأساسية المناسبة، والترويج لها إعلاميًّا على المستويين الإقليمي والدولي، وذكر أن الاستثمار في السياحة الصحراوية يمثل استثمارًا في الاقتصاد الوطني، ودعمًا للمجتمعات المحليّة، وإبرازًا للهُويّة العُمانيّة، وتحقيقًا لرؤية تنمويّة مُستدامة تستفيد من المقوّمات الطبيعيّة الفريدة التي تتميز بها سلطنة عُمان.

العُمانية