المدرب سلطان البلوشي: العلاقة بالخيل جزء من تاريخنا وقيمنا وهويتنا

مزاج الثلاثاء ٢١/يوليو/٢٠٢٦ ١١:٠٧ ص
المدرب سلطان البلوشي: العلاقة بالخيل جزء من تاريخنا وقيمنا وهويتنا


الشبيبة - العمانية 

يصف المدرب العُماني الشاب سلطان بن محمد البلوشي أن علاقته بالخيل ليست مجرد هواية أو اهتمام عابر، بل جزء أصيل من هويته وإرثه العائلي العريق الذي نشأ عليه منذ نعومة أظافره، ويشير إلى أن مربط عبري للفروسية الذي يتخذ من ولاية عبري بمحافظة الظاهرة مقرًّا له هو الارتكاز الأهم في الأمر كله.

وأضاف قائلا: تربيت في بيئة كان للخيل فيها مكانة خاصة، حيث كان والدي وإخوتي يمثلون القدوة الأولى في حب الخيل والارتباط بها، ولهم الدور الأكبر في غرس قيم الفروسية في نفسي وتعليمي مبادئها منذ الصغر. ومن خلالهم تعلمت أن الخيل ليست وسيلة للترفيه، بل مدرسة تُعلّم الصبر والانضباط والشجاعة والوفاء، وتغرس في الإنسان حقيقة المسؤولية والالتزام.

وأوضح: رافقت الخيل في مختلف مراحل حياتي، وأصبحت جزءًا من الذكريات اليومية مرورا بالتجارب التي أسهمت في بناء الشخصية، فمع مرور الوقت، ازداد هذا الارتباط قوة، حتى أصبحت الفروسية أسلوب حياة أعتز به وأسعى إلى تطويره والمحافظة عليه.

وبيّن أيضاً: ما يميز علاقتنا بالخيل هو أنها ليست علاقة فردية، وإنما ثقافة عائلية متوارثة، نؤمن بأنها جزء لا يتجزأ من تاريخنا وقيمنا وهويتنا. لذلك نحرص على نقل هذا الإرث إلى الأبناء، من خلال غرس معاني الفروسية النبيلة في نفوسهم، مثل احترام الآخرين، والتحلي بالأخلاق الطيبة، والصدق، والصبر، وتحمل المسؤولية، كما لدينا إيمان عميق أن الحفاظ على هذا الموروث مسؤولية تقع على عاتق كل جيل، حتى يبقى حاضرًا في المستقبل كما كان حاضرًا في الماضي.

وفي شأن التناغم بين المدرب والخيل وتطور العلاقة الوجدانية بينهما يقول: يأتي التطور عبر سنوات من التعلم والممارسة المستمرة، حتى أصبحت قائمة على الفهم العميق والثقة المتبادلة بيني وبينها. فالتعامل مع الخيل يرتكز بشكل أساسي على فهم اللغة الصامتة التي تجمع بين الفارس والخيل. فلكل تصرف أو حركة تصدر من الخيل دلالات معينة، ومع مرور الوقت والخبرة يصبح الفارس قادرًا على قراءة هذه الإشارات والتفاعل معها بطريقة صحيحة، مما يوجد علاقة مبنية على الانسجام والثقة.

وأكد: من أهم المبادئ التي أؤمن بها في تدريب الخيل هي تحقيق التوازن بين الحزم واللطف في التعامل وهو ما يؤدي إلى نتائج أفضل في التدريب والأداء. لذلك فإن النجاح في بناء علاقة قوية مع الخيل لا يتحقق بالقوة أو الشدة، وإنما بالصبر، والهدوء، والاستمرارية، والقدرة على فهم احتياجاتها والتعامل معها بما يتناسب مع طبيعتها. أما على الصعيد الشخصي، فقد كانت رياضة الفروسية مدرسة حقيقية أسهمت في تشكيل شخصيتي وصقل العديد من القيم والمبادئ التي أعتز بها. فقد منحتني ثقة أكبر بالنفس، وعززت قوة الشخصية والقدرة على اتخاذ القرار في مختلف المواقف، كما علمتني الصبر والانضباط وتحمل المسؤولية والالتزام. كون الفروسية تعلم الإنسان أن النجاح الحقيقي لا يتحقق إلا بالاجتهاد والاحترام المتبادل بين الفارس وخيله. فالفروسية أسلوب حياة متكامل أستلهم منه الكثير من القيم والدروس التي تنعكس على حياتي اليومية. فهي تعلمني المثابرة، واحترام الموروث الأصيل، والسعي المستمر للتطور، وتجعلني أكثر ارتباطًا بالإرث الذي نشأت عليه.

ويشير البلوشي إلى ما تحقق في مسيرته على المستوى المحلي والخارجي وقال: خلال فترة التدريب حققت العديد من الإنجازات على المستوى المحلي أبرزها كأس "العيد الوطني 2021." وكأس المواطنين ضمن مهرجان كأس صاحب الجلالة المعظم بصلالة عام 2022، كم أن هناك العديد من الإنجازات المرتبطة بمربط عبري منها كأس بطولة أبوظبي للمهارات 2017، وكأس بطولة الإمارات الكلاسيكية للمهارات 2018، كما حصل المربط على العديد من الخيول الفائزة في المضامير العُمانية، وشاركت دوليًّا في عدة مناسبات وكانت أبرزها كأس السعودية العالمي في شوط "العبية" 2022، ولهذه المشاركة وقع كبير في قلبي وإضافة كبيرة تعلمت من خلالها، والتقيت بعدد من المدربين والمختصين بالخيل الذين أضافوا لي الكثير.

ويشير البلوشي إلى الفروسية في سلطنة عُمان كونها من أهم الموروثات الثقافية والرياضية التي تعكس أصالة المجتمع العُماني وارتباطه العريق بالخيل، وقد شهد هذا القطاع خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا بفضل الجهود الكبيرة التي بذلها المدرب العُماني والمهتمون بهذا المجال.

وأوضح أن من أهم الجوانب المضيئة في مسيرة الفروسية الاحترافية هو المستوى المتقدم الذي وصل إليه الكادر العُماني في التدريب والتأهيل، حيث استطاع المدرب العُماني أن يثبت كفاءته وقدرته على تقديم برامج تدريبية متميزة وفق أسس علمية ومهنية، مع المحافظة على القيم الأصيلة التي تميز الفروسية العُمانية.

وأضاف: هناك العديد من الطموحات التي نسعى إلى تحقيقها من أجل الارتقاء بهذا القطاع إلى مستويات أعلى، منها إعداد برامج ومناهج تدريبية معتمدة وموحدة، وتوفر مسارًا تدريبيًّا متكاملًا للراغبين في التخصص بهذا المجال وتوفير المزيد من التسهيلات التي تساعد على تنظيم الفعاليات بكفاءة أكبر، وتعزيز حضور الفروسية العُمانية على المستوى المحلي محليًّا ودوليًّا، بما يسهم في المحافظة على هذا الإرث الأصيل واستدامته للأجيال القادمة

وفيما يتعلق برياضة ركوب الخيل كنمط حياة يومي قال: هذه الرياضة ليست مجرد جلوس على ظهر الجواد أو ممارسة رياضة تقليدية، بل هو نشاط متكامل يجمع بين الفوائد البدنية والنفسية والذهنية في آنٍ واحد. ففي هذا السياق لا يتعمد الفارس أثناء ممارسة الرياضة على القوة البدنية فقط، وإنما يحتاج إلى التوازن، والتركيز، والانسجام مع حركة الخيل، ما يجعل هذه الرياضة من أكثر الرياضات التي تنمي قدرات الإنسان بصورة شاملة. وكل لحظة يقضيها الفارس مع جواده تمثل فرصة لتطوير مهاراته الجسدية والعقلية، وتعزيز ثقته بنفسه.

وأضاف أيضًا: من الناحية البدنية، تسهم الفروسية في تحسين توازن الجسم وتقوية العضلات، حيث يعمل الفارس باستمرار على الحفاظ على وضعية صحيحة أثناء الحركة، الأمر الذي ينشط عضلات الجذع والظهر والساقين ويزيد من مرونة الجسم. كما تتطلب الفروسية سرعة الاستجابة العصبية والتناسق بين العين واليد وحركة الجسم، ما يساعد على تحسين ردود الفعل والقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.

إضافة إلى ذلك، تعد الفروسية من الأنشطة التي تحفز القلب والدورة الدموية، وتسهم في رفع مستوى اللياقة البدنية وتعزيز القدرة على التحمل، أما على الجانب النفسي، فإن فوائد ممارسة رياضة كوب الخيل لا تقل أهمية عن فوائدها البدنية.

فهي تساعد على كسر حاجز الخوف وبناء الثقة بالنفس، حيث يتعلم الفارس كيفية التحكم في مشاعره والتعامل مع مختلف المواقف بهدوء وثبات. كما تعزز الفروسية التركيز والوعي باللحظة الحالية، كون أن التواصل مع الخيل يتطلب حضورًا ذهنيًّا كاملًا وانتباهًا مستمرًا، وهو ما يساعد على الابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية والتخلص من التوتر والقلق.

وفيما يتعلق بروح ومستوى التنافس في المسابقات المحلية والعوامل التي تعزز حضور المدرب العُماني وقدرته على الريادة في هذه الميادين قال: من موقعي كمدرب يعيش تفاصيل الميدان يوميًّا، أرى أن المشهد التنافسي في رياضة الفروسية يشهد تطورًا ملحوظًا، ويتميز بمستوى عالٍ من الاحترافية والطموح.

ورغم قوة المنافسة بين المدربين، فإن الروح الرياضية تبقى حاضرة ومتأصلة، حيث تمتزج الرغبة في تحقيق الإنجاز بالاحترام المتبادل والتقدير بين جميع العاملين في هذا المجال. وتنعكس هذه المنافسة الإيجابية في السعي المستمر لاستقطاب أفضل سلالات الخيل، والاهتمام بجودة التدريب والإعداد، بما يسهم في رفع مستوى البطولات وتعزيز الأداء الفني للفرسان والخيل على حد سواء.

أما على صعيد ريادة المدرب العُماني، فقد استطاع أن يثبت حضوره على الساحة الإقليمية والدولية من خلال مشاركاته المتواصلة وتحقيقه العديد من الإنجازات المشرفة. ويعود هذا النجاح إلى الإخلاص في العمل، والحرص على تطوير المهارات، والانفتاح على التجارب والخبرات العالمية، مع المحافظة في الوقت نفسه على القيم الأصيلة التي تميز الفروسية العُمانية.

وأضاف: يحظى قطاع الفروسية في سلطنة عُمان أيضًا باهتمام رسمي نوعي كونه مرتبطًا بالهوية الوطنية والإرث الحضاري العريق، وقد شهد خلال السنوات الماضية حراكًا متزايدًا من خلال تنوع السباقات والبطولات، وتشجيع المشاركة في المحافل المحلية والدولية. هذا القطاع يمتلك إمكانات أكبر يمكن أن تجعله رافدًا مهمًّا للاقتصاد الوطني في ظل تطويره بما يتوافق مع أفضل الممارسات العالمية التي تركز على تنويع الاقتصاد، وتمكين الشباب، وتعزيز الاستثمار في الرياضة والسياحة. فالفروسية ليست مجرد رياضة، بل منظومة اقتصادية متكاملة تشمل تربية الخيول، والخدمات البيطرية، وصناعة المعدات، وتنظيم الفعاليات، والسياحة الرياضية، وإيجاد فرص عمل واستثمارات جديدة.

وأكد: نرى أن هناك حاجة في مواصلة تطوير البنية الأساسية، وزيادة عدد المرافق المتخصصة، واستقطاب البطولات الدولية، وتأهيل الكوادر الوطنية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، ودعم الملاك والفرسان والمربين، إلى جانب توظيف التقنيات الحديثة في التدريب والإدارة.

كما أن الاستثمار في الفروسية سيسهم في إبراز سلطنة عُمان كوجهة إقليمية ودولية لهذا القطاع، مستفيدين من تاريخها العريق في تربية الخيل العربية الأصيلة، واستمرار هذا التوجه سيحقق قيمة مضافة كبيرة، ليس فقط للرياضيين، بل للاقتصاد أيضًا، وسيجعل قطاع الفروسية أكثر استدامة وقدرة على المنافسة، من أجل بناء اقتصاد متنوع قائم على الابتكار والاستثمار في القطاعات الواعدة.

وفي شأن انعكاس صفات الصبر، والشجاعة، والانضباط التي يكتسبها المدرب من الخيل على تفاصيل حياته اليومية وتعاملاته الإنسانية قال: علمتني الفروسية أن العلاقة الحقيقية مع الخيل لا تُبنى على القوة أو الشدة، وإنما على الرفق والاحترام والثقة المتبادلة. فالخيل تمنح من يعاملها بلطف وهدوء ما لا تمنحه لمن يعتمد على القسوة، وهي بذلك تقدم درسًا عظيمًا يمكن تطبيقه في مختلف جوانب الحياة. فمن خلال تجربتي، أدركت أن اللين لا يعني الضعف، بل هو أسلوب راقٍ في التعامل يحقق نتائج أفضل وأكثر استدامة، سواء مع الخيل أو مع الناس. وهذه القناعة أصبحت جزءًا من شخصيتي وطريقة تعاملي مع الآخرين في حياتي اليومية.

والخيل بالنسبة لي ليست مجرد رياضة أو هواية، بل هي معلم صامت يزرع في الإنسان القيم دون كلمات، ويغرس فيه المبادئ من خلال الممارسة والتجربة.

وأوضح: من أهم القيم التي تعلمتها من الفروسية الصبر، فالتعامل مع الخيل يحتاج إلى وقت وتأنٍ واستمرارية، ولا يمكن تحقيق النتائج المرجوة بالعجلة أو الانفعال. وهذا الصبر امتد أثره إلى حياتي الشخصية، كما غرست الفروسية في نفسي معنى الشجاعة الحقيقية، المبنية على الوعي والثقة بالنفس وحسن تقدير المواقف، مرورًا بأهمية الانضباط، فالفروسية في خصوصيتها تقوم على الالتزام بمواعيد التدريب، والعناية اليومية بالخيل، والاهتمام بتغذيتها وصحتها، وهي مسؤوليات لا تحتمل الإهمال أو التأجيل. وقد انعكس هذا الالتزام على طريقة إدارتي لوقتي وتنظيم أولوياتي في مختلف جوانب الحياة.

ولدي إيمان بأن الفروسية قادرة على صناعة شخصية متزنة، واثقة، ومؤثرة في محيطها، لأنها تبني الإنسان قبل أن تصنع الفارس. ومع ذلك، فإن الأثر الحقيقي لهذه القيم يعتمد على الشخص نفسه، ومدى استعداده لتطبيق ما تعلمه في حياته اليومية.