مرتضى بن حسن بن علي يكتب للشبيبة: لغز الأجور والإنتاجية: الموازنة الحرجة في الاقتصاد العماني

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٢٠/يوليو/٢٠٢٦ ١٩:٢٥ م
مرتضى بن حسن بن علي يكتب للشبيبة: لغز الأجور والإنتاجية: الموازنة الحرجة في الاقتصاد العماني

بين فترة وأخرى، يطفو على السطح نقاش مجتمعي واقتصادي محتدم حول الأجور؛ إذ ينادي فريق بضرورة رفع الرواتب لمواكبة التضخم وغلاء المعيشة المستمر، مدفوعاً بنظرية أن زيادة الدخل ترفع القوة الشرائية وتنعش الأسواق المحلية. هذا المنطق يبدو مثالياً في الاقتصادات الإنتاجية والمصنّعة التي تصدّر أكثر مما تستورد.

أما في الاقتصادات التي تعتمد على الاستيراد وتواجه عجزاً في ميزانها التجاري، فإن ضخ الأموال دون إنتاجية موازية يتحول سريعاً إلى استنزاف للموارد وفخ للتضخم المنفلت، مما يفقد العملة الوطنية قيمتها الشرائية كما تؤدي إلى تسريح الموظفين.

على المقلب الآخر، يرى المحللون الاقتصاديون أن أي زيادة في الأجور لا تقابلها طفرة في الإنتاجية تؤدي إلى نتائج عكسية وخيمة. فالقطاع الخاص، الذي يُراد له أن يكون المحرك الأساسي للتشغيل، لا يزال في الجزء الاكبر منه قطاعاً خدمياً يعتمد على السوق المحلي. ورفع تكلفة العمل دون جدوى إنتاجية حقيقية يرفع التضخم ويقلص القدرة التنافسية للاقتصاد العماني، ويضعف جاذبيته للاستثمارات الأجنبية المباشرة، بل وقد يدفع الشركات إلى تقليل من اعداد الموظفين، اي تسريحهم وتخفض التكاليف.

وتشير بعض الدراسات إلى ان زيادة الأجور بنسبة 10% دون تحسن في الإنتاجية قد تدفع قطاع الأعمال إلى الاستغناء عما يتراوح بين 3% إلى 5% من القوة العاملة، والاعتماد على التقنيات المتطورة كبديل.

إن قضية الأجور ترتبط بـ "مثلث حرج" تشكل الإنتاجية والأسعار ضلعيه، بينما تقف الأجور على قاعدته. ولا يمكن حصر مفهوم الأجر في تلبية متطلبات الغلاء فقط، بل هو منظومة دائرية تتأثر بأربعة عناصر متشابكة: النمو، الإنتاجية، الأسعار، والتنافسية.

تاريخياً، واجه الاقتصاد العماني هذا التحدي بشكل ملموس؛ إذ تضاعف بند الرواتب الإجمالية في الجهاز الإداري للدولة بشكل قياسي من 2.5 مليار ريال عماني في عام 2010 ليصل إلى حوالي 6.1 بليون ريال عماني في عام 2017، مما جعل الرواتب عبئاً ثقيلاً على الخزينة العامة، واضطرت الدولة في تلك الفترة إلى الاقتراض لتمويل هذا البند الاستهلاكي، وهو مسار محفوف بالخاطر لأي اقتصاد يسعى للاستدامة. هذا الترهل جاء نتيجة تضخم التوظيف الحكومي بمعدلات تفوق الحاجة الفعلية وغياب آليات قياس الأداء الحقيقي، ليصبح "الأمن الوظيفي" في بعض الأحيان مرادفاً لتدني الإنتاجية وغياب مبدأ الثواب والعقاب.

إن مستويات الرواتب ينبغي أن ترتبط طردياً بالمهارات، والمؤهلات، والإنتاجية الفعلية للعامل، وليس بمجرد سجلات الحضور والانصراف. ولعل نقطة البدء الحقيقية لإصلاح هيكل الأجور وتلبية تطلع