سالم الحبسي يكتب: حين انحنى القصر لتحية الفراعنة.. أدركت مصر أن المجد لا يُصنع في تسعين دقيقة..!!

مقالات رأي و تحليلات الأحد ١٢/يوليو/٢٠٢٦ ١٥:٠٠ م
سالم الحبسي يكتب: حين انحنى القصر لتحية الفراعنة..  أدركت مصر أن المجد لا يُصنع في تسعين دقيقة..!!
رئيس الاتحاد الخليجي للإعلام الرياضي

ليست كل مصافحة بين رئيس دولة ولاعبي منتخب وطني حدثًا بروتوكوليًا، وليست كل صورة تلتقط في قصر الحكم مجرد أرشيف سياسي. هناك لحظات تتجاوز عدسات المصورين، لتدخل ذاكرة الأمم.

وحين استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي منتخب مصر العائد من كأس العالم 2026، لم يكن يستقبل أحد عشر لاعبًا وجهازًا فنيًا، بل كان يستقبل فكرة انتصرت، ومشروعًا أثبت أن الأمم التي تستثمر في الحلم، تصل يومًا إلى منصة التاريخ.

لأعوام طويلة، عاش المصريون على أمجاد الماضي؛ جيل صنع مجد القارة الأفريقية، لكنه لم يستطع أن يكتب الفصل العالمي الذي انتظرته الجماهير. كانت مصر، بكل ثقلها الحضاري، تبدو في كأس العالم أكبر من نتائجها. حتى جاء هذا الجيل، لا ليكسر رقمًا، بل ليكسر حاجزًا نفسيًا لازم الكرة المصرية لعقود.

الوصول إلى دور الستة عشر لم يكن مجرد محطة في سجل الإحصائيات، بل إعلانًا بأن المنتخب المصري بدأ يغادر مربع المشاركة إلى فضاء المنافسة. والفارق بينهما شاسع؛ فالمشاركة تُسجل في دفاتر التاريخ، أما المنافسة فتُغير نظرة العالم إليك.

ولعل أعظم ما تحقق في هذا المونديال لم يكن عدد النقاط أو الأهداف، بل التحول في الشخصية. لقد لعب المنتخب المصري بثقة، وواجه مدارس كروية عريقة دون عقدة، وتعامل مع المباريات بعقلية الباحث عن الفوز، لا بعقلية الخائف من الخسارة. وهذه هي النقلة التي تصنع المنتخبات الكبيرة، قبل أن تصنعها الكؤوس.

من هنا، اكتسب الاستقبال الرئاسي معناه الحقيقي. فالدول لا تكرم النتائج فقط، بل تكرم المسار الذي يقود إليها. كانت الرسالة واضحة: إن الدولة ترى في الرياضة مشروعًا وطنيًا، وترى في المنتخب سفيرًا يحمل اسم مصر إلى العالم، كما حمله أجداد بنوا حضارة ما زالت البشرية تقف أمامها بإجلال.

لقد جاءت كلمات الرئيس عبد الفتاح السيسي لتؤكد أن ما تحقق ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة، وأن الإنجاز الحقيقي هو تحويل هذا النجاح إلى ثقافة دائمة، لا إلى ذكرى عابرة. فالأمم التي تصعد إلى القمة مرة قد تصفق لنفسها، أما الأمم التي تريد البقاء هناك، فإنها تبدأ العمل من اليوم التالي للاحتفال.

وفي المقابل، جاءت كلمات حسام حسن خالية من نشوة الانتصار الزائف. تحدث عن فرحة الشعب أكثر مما تحدث عن نفسه، وكأن الرجل أدرك أن المدربين يرحلون، واللاعبين يعتزلون، أما فرحة الوطن فتبقى في ذاكرته الجمعية لعقود. كان حديثه يحمل رسالة القائد الذي يعرف أن ما تحقق لا يمنحه حق التوقف، بل يضاعف حجم المسؤولية.

ولعل أجمل ما كشفه هذا المشهد أن المنتخب لم يعد فريقًا يبحث عن التصفيق، بل أصبح مشروعًا ينتظر الاستكمال. فالعالم لا يحترم الإنجاز العابر بقدر ما يحترم القدرة على تكراره. وفرنسا لم تصبح بطلة للعالم في ليلة، والأرجنتين لم تعتلِ القمة من أول محاولة، وإسبانيا لم تستعد مجدها إلا بعد سنوات من البناء الهادئ. وكذلك مصر، إن أرادت أن تبقى بين الكبار، فعليها أن تعتبر مونديال 2026 حجر الأساس، لا سقف الطموح.

مصر التي علمت الدنيا معنى الحضارة، تعرف أن بناء الأهرامات لم يكن عمل يوم، بل ثمرة رؤية وصبر وإرادة. وكذلك كرة القدم؛ فالكؤوس ليست هدايا يمنحها القدر، بل أحجار توضع فوق أحجار حتى يكتمل البناء.

لذلك، فإن الصورة التي جمعت رئيس الجمهورية بمنتخب الفراعنة لم تكن صورة احتفال، بل وثيقة ميلاد لمرحلة جديدة. مرحلة عنوانها أن مصر لم تعد تذهب إلى كأس العالم لتُكمل العدد، بل لتكتب فصلًا جديدًا من تاريخها، وتستعيد مكانتها بين الأمم الكروية، تمامًا كما استعادت عبر آلاف السنين مكانتها بين الأمم التي تصنع التاريخ ولا تكتفي بروايته.