مرتضى بن حسن بن علي: الرابحون والخاسرون من مذكرة التفاهم الأمريكية – الإيرانية (1)

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٠١/يوليو/٢٠٢٦ ١٦:١٦ م
مرتضى بن حسن بن علي: الرابحون والخاسرون من مذكرة التفاهم الأمريكية – الإيرانية (1)

من يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط؟

إذا كُتب لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران أن تدخل حيز التنفيذ، فإنها لن تكون مجرد اتفاق ثنائي، بل محطة قد تعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط لعقود مقبلة. فمثل هذه التفاهمات لا تُقاس فقط بما تتضمنه من بنود نووية أو اقتصادية، وإنما بما تُحدثه من تحولات في الأمن الإقليمي، وأسواق الطاقة، والتحالفات الدولية.

إيران… الرابح الأكبر

تبدو إيران، وفق بنود الاتفاق المقترحة، المستفيد الأكبر على المستويين الاقتصادي والاستراتيجي. فمن الناحية الاقتصادية، يعني رفع العقوبات النفطية والمصرفية والإفراج عن الأصول المجمدة وتوفير تمويل بمبلغ 300 مليار دولار لإعادة الإعمار تدفقاً مالياً ضخماً يعيد تنشيط الاقتصاد الإيراني بعد سنوات طويلة من الضغوط." ليس واضحا لحد الان من اين سيأتي هذا المبلغ الهائل "

أما سياسياً، فإن الاتفاق يمنح طهران اعترافاً عملياً بدورها الإقليمي، مع احتفاظها ببرنامج نووي مدني يخضع للرقابة الدولية، وهو ما يكرسها لاعباً رئيسياً في معادلات أمن الخليج، ويقلل في الوقت ذاته من احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة مع الولايات المتحدة.

الولايات المتحدة… مكسب استراتيجي طويل الأمد

في المقابل، تحقق واشنطن هدفاً استراتيجياً طال انتظاره، يتمثل في احتواء الملف النووي الإيراني عبر آليات رقابة دولية بدلاً من المواجهة العسكرية المستمرة.كما يتيح المجال للشركات الامريكية من الاستفادة من السوق الإيرانية الكبيرة.

كما يتيح الاتفاق للإدارة الأمريكية تقليص انخراطها العسكري في الشرق الأوسط، والتفرغ لأولوياتها الكبرى المتمثلة في المنافسة مع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ومع روسيا في أوروبا، وهو تحول يتماشى مع الاستراتيجية الأمريكية خلال السنوات الأخيرة.

دول الخليج… فرصة للاستقرار

أما دول الخليج، فإن مكاسبها تعتمد على نجاح الاتفاق واستمراره. فإذا التزمت الأطراف بخفض التصعيد، فإن المنطقة ستشهد تراجعاً في الحروب بالوكالة والهجمات على المنشآت الحيوية وطرق الملاحة، وهو ما يوفر بيئة أكثر استقراراً للمشروعات التنموية الكبرى، مثل رؤية السعودية 2030 ورؤية عُمان 2040، إضافة إلى تعزيز أمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز واستقرار أسواق الطاقة. وربما تشهد ايران سباقا بين الدول الغربية وغيرها للتقرب من ايران وكسب ودها.

في المقابل، قد تواجه الجماعات المسلحة المرتبطة بما يُعرف بمحور المقاومة تحدياً كبيراً، إذ إن أي اتفاق يفرض وقف العمليات العسكرية والتدخلات الإقليمية سيؤدي إلى تراجع دورها العسكري، ويدفعها تدريجياً نحو العمل السياسي المحلي بدلاً من النشاط العابر للحدود، مع انخفاض الحاجة إلى التمويل العسكري مقارنة بمشروعات التنمية وإعادة الإعمار.

كما قد تمثل عودة إيران إلى الاقتصاد العالمي خسارة غير مباشرة لروسيا. فزيادة صادرات النفط الإيرانية قد تضيف كميات جديدة إلى الأسواق العالمية، بما يضغط على الأسعار ويؤثر في إيرادات موسكو النفطية، فضلاً عن احتمال تراجع اعتماد طهران على شراكتها الاستراتيجية مع روسيا إذا تحسنت علاقاتها مع الغرب.

إسرائيل… الخاسر الأكبر

تبقى إسرائيل الطرف الأكثر تضرراً من أي اتفاق يمنح إيران شرعية دولية للاحتفاظ ببرنامج نووي مدني تحت الرقابة. فمن منظورها الأمني، لطالما قامت استراتيجيتها على منع أي قوة إقليمية من امتلاك قدرات نووية متقدمة، حتى وإن كانت لأغراض سلمية.او قوى صاروخية بالستية قادرة على قصف اسرائيل.

كما أن التزام الولايات المتحدة بالحلول الدبلوماسية سيقيد إلى حد كبير خيار العمل العسكري الإسرائيلي ، ويجعل أي تحرك منفرد أكثر كلفة سياسياً ودبلوماسياً. وإلى جانب ذلك، فإن رفع العقوبات قد يتيح لإيران تعزيز قدراتها الاقتصادية والتكنولوجية، بما يعيد تشكيل ميزان القوى الإقليمي ويزيد من تعقيد البيئة الاستراتيجية التي تواجهها إسرائيل.

المشهد الجديد 

إذا تحقق هذا الاتفاق، فإن الشرق الأوسط قد ينتقل تدريجياً من مرحلة الصراع المفتوح إلى مرحلة التنافس الاقتصادي والجيوسياسي، حيث تصبح الاستثمارات والممرات التجارية والطاقة أدوات النفوذ الأساسية بدلاً من المواجهات العسكرية المباشرة.

لكن نجاح هذا التحول سيظل مرهوناً بقدرة الأطراف على الالتزام ببنود الاتفاق، وبمدى استعداد القوى الإقليمية والدولية لتغليب المصالح الاقتصادية على حساب الصراعات التقليدية التي هيمنت على المنطقة طوال العقود الماضية