- لقطة رائعة من فيديو التقطه عبدالله بن سليمان الهادي في الصباح الباكر لأخطبوطه أم العباءة الأرجوانية (Violet Blanket Octopus) وهي تسبح برشاقة قبالة شارع الشاطىء في القرم مسجلة حضورها الثالث في مياه السلطنة.
إعداد - عباس الزدجالي
لقلة المصادر والدراسات التي تناولت هذه المخلوقة البحرية التي اشتهرت بعباءتها الأرجوانية، ظننت في البداية أنها من كائنات الأعماق السحيقة، على غرار الحبار مصاص الدماء (Vampire Squid)، لكنني بعد التدقيق مجدداً حصرتُ بحثي في الأنواع النادرة جداً من رأسيات الأرجل، بما فيها الأخطبوطيات.
فجاءت الحقيقة المذهلة بأن الكائن العجيب الذي اقترب من كاياك الشاب العاشق للبحر والتجديف عبدالله بن سليمان الهادي في الصباح الباكر، هو أنثى أخطبوط من جنس (Tremoctopus) تُعرف باسم أخطبوطة أم العباية الأرجوانية (Violet Blanket Octopus – Tremoctopus violaceus)، وهو نوع لم يُوثَّق علمياً في بحار السلطنة من قبل إلا بعد أن نشرتُ مقالاً عن اكتشافه على يد الشاب أحمد بن عبدالله السيابي، أثناء ممارسته الصيد الليلي من شاطئ الموالح الشمالية بولاية السيب في يناير ٢٠٢٣ م.
وبعدها ببضعة أيام تمكن الأخ فهد بن خميس الفارسي من تصويرها في مرسى جبل السيفة للقوارب في مقطع فيديو قصير، وهي تسبح برشاقة وهدوء واطمئنان تحت القوارب، ولعل ذلك كان أول توثيق نهاري لها، ليؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن نطاق انتشار هذا الكائن الجغرافي يشمل السلطنة.
ومع أن معلومات عدة وردتني عن مشاهداتها في رأس الحد دون التمكن من تصويرها، باستثناء صورة قيل إنها لاخطبوطة جرفتها المياه إلى شاطئ مخيليف بولاية صحم ولم أتمكن من التحقق من مصدرها، فإن تسجيل الشاب عبدالله بن سليمان الهادي لها للمرة الثالثة في مياه القرم يُعد تأكيداً دامغاً على أن هذه المخلوقات الرائعة التي تستوطن المحيطات المفتوحة أصبحت مشهداً نادراً، ولكنه متكرر، على سواحلنا.
ويمكننا استنتاج أن الظهور المتكرر لأخطبوطة أم العباية الأرجوانية على السواحل العُمانية ليس سلوكاً طبيعياً للكائن بقدر ما هو انعكاس للموقع الجغرافي الاستثنائي للسلطنة؛ إذ إن إطلالتها على بحر عُمان وبحر العرب والخليج العربي، واتصالها المباشر بالمحيط الهندي، يجعل سواحلها الممتدة مسرحاً لديناميكية محيطية ومناخية بالغة التعقيد.
وتتداخل الرياح الموسمية والعواصف البحرية لتوليد تيارات سطحية قوية تجرف كائنات المحيط المفتوح نحو اليابسة، بالتزامن مع اشتداد ظاهرة صعود المياه العميقة الباردة (Upwelling). وهذه الظاهرة لا تجذب الأخطبوط نحو السواحل بسبب وفرة المغذيات فحسب، بل قد تعرضه أيضاً لصدمة حرارية مفاجئة تُضعف قدرته على المقاومة، ليتحول هذا السابح المحيطي الرحال، بفعل الأمواج والتيارات القسرية، إلى زائرٍ مجبرٍ للشواطئ العُمانية.
ويتميز هذا المخلوق الرائع برشاقة مذهلة وهو يجوب المياه الاستوائية وشبه الاستوائية في المحيطات الهندي والهادئ والأطلسي، إضافة إلى خليج المكسيك والبحر الكاريبي والبحر الأبيض المتوسط، ويمكن الآن إضافة البحار العُمانية إلى قائمة مناطق انتشاره الموثقة.
ويبلغ طول الإناث نحو مترين تقريباً، بينما لا يتجاوز طول الذكور ثلاثة سنتيمترات فقط. ويزيد وزن الأنثى على وزن الذكر بنحو أربعين ألف ضعف، ما يجعل عملية التزاوج بين الجنسين إحدى عجائب الطبيعة بسبب الفارق الهائل في الحجم بينهما.
وتزن الأنثى نحو عشرة كيلوجرامات، بينما لا يزيد وزن الذكر على ثلاثين غراماً فقط. وتعيش الإناث ما بين ثلاثة وخمسة أعوام، في حين نادراً ما يتجاوز عمر الذكور عامين.
وتتغذى أخطبوطة أم العباية الأرجوانية على الأسماك الصغيرة, الرخويات، ورأسيات الأرجل الأخرى، بينما تقع هي نفسها فريسة للأسماك الكبيرة مثل القرش الأزرق والتونة والأسماك ذوات المنقار.
ويُذكر أن الأنثى تستطيع فرد وطي العباءة الجلدية التي تربط بين ذراعيها الظهريين حسب الحاجة. ففي الظروف العادية لا يكون هذا الغشاء الجلدي ملحوظاً بشكل كبير، غير أنها إذا شعرت بالخطر أو رصدت مفترساً قريباً، فإنها تفرد عباءتها لتتمدد وتنتفخ في الماء على أمل إرباك المهاجم وإخافته.
ختاماً، كنت أتمنى عند نشر مقالي الأول قبل ثلاثة أعوام عن اكتشاف هذا الكائن، وقيام الأخ أحمد بن عبدالله السيابي مشكوراً بتسليمه إلى مركز العلوم البحرية والسمكية، الذي قام بدوره بتوثيقه دون الإشارة إلى دوري في ذلك، أن يبادر أحد الباحثين إلى دراسة هذا المخلوق الجميل أكاديمياً من خلال ورقة علمية متخصصة، لا أن يكتفي بإفادة مقتضبة لا تسمن ولا تغني من جوع.
فالكائن لا يمثل مجرد إضافة جديدة إلى قائمة الأنواع المسجلة في السلطنة، بل يفتح الباب أمام أسئلة علمية مهمة حول التنوع الحيوي البحري في المياه العُمانية، ودور التيارات البحرية والظروف المناخية في جلب كائنات المحيط المفتوح إلى سواحل البلاد.