
في كل نسخة من كأس العالم يظهر منتخب يحقق الفوز، ويظهر منتخب آخر يرسل رسالة.
إنجلترا أمام كرواتيا لم تكتفِ بالفوز.
لقد أرسلت رسالة.
رسالة إلى القارة الأوروبية، وإلى أمريكا الجنوبية، وإلى كل المرشحين الذين دخلوا مونديال 2026 وهم ينظرون إلى إنجلترا باعتبارها موهبة كبيرة تعاني من عقدة تاريخية اسمها “الخوف من اللحظة الكبرى”.
رباعية الأسود الثلاثة في شباك كرواتيا لم تكن مجرد ثلاثة نقاط افتتاحية في مجموعة مونديالية، بل كانت إعلاناً بأن المنتخب الذي طالما عاش أسيراً لذكريات 1966 ربما بدأ أخيراً في التحرر من أشباح الماضي.
طوال نصف قرن تقريباً كانت إنجلترا تمتلك أفضل الدوريات وأغنى الأندية وأشهر النجوم، لكنها عندما يصل الأمر إلى كأس العالم كانت تتحول من عملاق كروي إلى مشروع غير مكتمل.
منذ التتويج الوحيد عام 1966، خرج الإنجليز من عشرات المعارك المونديالية وهم يحملون السؤال ذاته:
لماذا لا تنجح إنجلترا في كأس العالم كما تنجح أنديتها في أوروبا؟
الجواب كان دائماً خليطاً من الضغط النفسي والإعلامي، ومن الإيمان المبالغ فيه بالموهبة الفردية على حساب البناء الجماعي.
لكن ما ظهر أمام كرواتيا يوحي بأن شيئاً ما تغير.
هاري كين..عندما
يصبح التاريخ مجرد محطة
اللافت في المباراة لم يكن فقط فوز إنجلترا، بل الطريقة التي تعامل بها القائد هاري كين مع الحدث.
عندما سجل ثنائيته وعادل الرقم التاريخي لغاري لينكر كأفضل هداف إنجليزي في تاريخ كأس العالم، لم يحتفل كما يحتفل لاعب بلغ القمة.
احتفل كما لو أن المهمة لم تبدأ بعد.
وهنا يكمن الفارق بين إنجلترا القديمة وإنجلترا الجديدة.
كين لم يعد مجرد مهاجم يسجل الأهداف.
لقد أصبح رمزاً لجيل يؤمن أن الوصول إلى نصف النهائي أو النهائي لم يعد إنجازاً، بل خطوة طبيعية في مشروع أكبر.
حول كين يتحرك بيلينغهام، اللاعب الذي يجسد مستقبل الكرة الإنجليزية.
ويعمل رايس كقائد صامت في وسط الملعب.
ويظهر ساكا وراشفورد كجناحين قادرين على صناعة الفوضى في أي دفاع.
إنها ربما المرة الأولى منذ جيل بيكهام وجيرارد ولامبارد وروني التي تمتلك فيها إنجلترا هذا التوازن بين الموهبة والنضج التكتيكي.
لماذا كان الانتصار على كرواتيا مهماً؟
لأن كرواتيا ليست منتخباً عادياً.
إنها المدرسة التي أخرجت وصيف العالم 2018 وصاحبة البرونزية في 2022.
منتخب يعرف كيف يعيش في البطولات الكبرى حتى عندما لا يملك أفضل اللاعبين.
وعندما تتقدم عليه مرتين ثم يعود مرتين، ثم تقتله في النهاية برباعية، فهذا لا يعني أنك تملك جودة فنية فقط.
بل يعني أنك تملك شخصية.
الشخصية هي العملة الأغلى في كأس العالم.
ولهذا السبب بدت إنجلترا في هذه المباراة أقرب إلى المنتخبات البطلة منها إلى المنتخبات الموهوبة.
هل أصبحت إنجلترا مرعبة؟
الجواب المختصر: نعم..ولكن بشروط
المنتخبات المرعبة لا تُقاس بالجولة الأولى.
البرازيل 1982 أبهرت العالم ولم تفز..
الأرجنتين 2022 خسرت افتتاحيتها ثم أصبحت بطلة..
وألمانيا 2018 بدأت كمرشح أول ثم خرجت من الدور الأول.
لكن ما يجعل إنجلترا مختلفة هذه المرة هو عمق التشكيلة.
في الماضي كان الفارق بين الأساسي والبديل كبيراً.
اليوم يدخل راشفورد وساكا من الدكة فيحسمان المباراة.
وهذا ترف لا تمتلكه معظم المنتخبات.
إنجلترا ربما ليست المرشح الأول حتى الآن.
لكنها بالتأكيد أصبحت المنتخب الذي لا يرغب أحد في مواجهته.
كيروش..الرجل الذي يرفض مغادرة المسرح
وفي الجهة الأخرى من المشهد المونديالي كتب البرتغالي كارلوس كيروش سطراً جديداً في واحدة من أكثر المسيرات التدريبية غرابة وإثارة.
خمسة مونديالات متتالية.
خمسة أجيال مختلفة.
خمسة عوالم كروية مختلفة.
من البرتغال إلى إيران ثم إلى غانا.
إنه ليس مجرد مدرب.
إنه رحالة مونديالي.
كيروش لم يصنع اسمه عبر الألقاب، بل عبر القدرة على البقاء في أعلى مستوى لأكثر من عقدين.
هذه الاستمرارية نادرة في كرة القدم الحديثة.
ومع انتصار غانا، حتى لو جاء بهدف قاتل وفي ظروف استثنائية، بدا وكأن الرجل البالغ 73 عاماً يوجه رسالة أخيرة إلى العالم:
الخبرة لا تزال قادرة على منافسة الشباب.
رونالدو والافتتاحية التي لا تنتهي..!!
في المقابل، تعثرت البرتغال من جديد في بداية بطولة كبرى.
التعادل أمام الكونغو أعاد سؤالاً قديماً يلاحق كريستيانو رونالدو ومنتخبه:
لماذا تبدو البرتغال أحياناً أصغر من مجموع نجومها؟
رونالدو يظل أحد أعظم اللاعبين في التاريخ.
لكن كأس العالم لطالما قاومت محاولاته للهيمنة المطلقة.
ففي الوقت الذي تحولت فيه أرقامه الفردية إلى أساطير، بقي المونديال البطولة الأكثر عناداً أمامه.
والتعادل مع الكونغو يثبت أن الاسم وحده لا يفوز بالمباريات.
الكبار يعبرون.. لكن الطريق بدأ الآن
الجولة الأولى كشفت حقيقة مهمة.
المنتخبات الكبيرة نجحت غالباً في تجنب الكارثة.
إنجلترا انتصرت.
فرنسا انتصرت.
الأرجنتين انتصرت.
السويد قدمت عرضاً هجومياً قوياً.
بينما نجت البرتغال بتعادل صعب.
لكن تاريخ كأس العالم يقول إن البطولة لا تبدأ فعلياً إلا بعد الجولة الأولى.
الافتتاحيات تصنع العناوين.
أما الأبطال فتصنعهم الأسابيع التالية.
الخلاصة..
إذا كان مونديال 2026 قد قدم حتى الآن رسالة واحدة واضحة، فهي أن إنجلترا لم تعد ذلك المنتخب الذي يخاف من ثقل قميصه.
رباعية كرواتيا لم تمنحها الكأس.
لكنها منحتها شيئاً ربما كان أهم.
الإيمان.
والبطولات الكبرى تبدأ دائماً بالإيمان.
أما كيروش فقد أثبت مرة أخرى أن العمر مجرد رقم عندما يتعلق الأمر بخبرة كأس العالم.
بينما لا يزال رونالدو يبحث عن البطولة الوحيدة التي لم تنحنِ بالكامل أمام أسطورته.
وفي انتظار الجولة الثانية، يبدو أن السؤال الأكبر لم يعد: هل تستطيع إنجلترا المنافسة؟
بل أصبح:
هل يستطيع العالم إيقافها إذا استمرت بهذا الإيقاع؟