
المونديال المجنون..سقوط الملوك وتمرّد الفقراء..!!
في كأس العالم لا توجد ذاكرة تحرز الأهداف، ولا ترفع الكؤوس صور الماضي المعلقة على الجدران. هنا تُعاد كتابة التاريخ كل تسعين دقيقة، وتُسحق النظريات تحت أقدام لاعب مغمور، أو رأسية متأخرة، أو تسديدة تائهة تغير مصير مجموعة كاملة.
الأيام الأولى من مونديال 2026 بدت وكأنها إعلان رسمي لانتهاء عصر الهيبة المطلقة للأسماء الكبيرة. البرازيل تعجز عن تجاوز المغرب، وهولندا تتعثر أمام اليابان، وسويسرا تفشل في قتل المباراة أمام قطر، بينما تتقدم اسكتلندا بهدوء لصدارة مجموعتها وكأنها تهمس للعالم بأن كرة القدم لا تعترف بالألقاب الوراثية.
المغرب لم يتعادل مع البرازيل فحسب، بل قدم درساً تكتيكياً راقياً في الضغط والتحولات السريعة. المنتخب الذي أبهر العالم في قطر 2022 لا يزال يملك الشخصية نفسها؛ فريق لا يخاف من النظر مباشرة في عيون العمالقة. والأهم أن نقطة البرازيل قد تتحول لاحقاً إلى نقطة ذهبية إذا نجح أسود الأطلس في تجاوز العقبة الاسكتلندية التي أصبحت فجأة المباراة الأكثر أهمية في المجموعة الثالثة.
أما قطر، فقد حصدت أول نقطة مونديالية في تاريخها بعد انتظار طويل. قد تبدو نقطة وحيدة للبعض، لكنها في حسابات التطور الكروي تعادل انتصاراً معنوياً ضخماً. والأخطر أن هدف خوخي بوعلام القاتل قد يكون الشرارة التي تمنح العنابي الإيمان بإمكانية العبور إلى الدور الثاني لأول مرة.
وفي الجانب الإفريقي، أكدت أفيال ساحل العاج أن الواقعية قد تهزم الاستعراض. الإكوادور لعبت شوطاً أول أقرب إلى السيمفونية الهجومية، لكنها اصطدمت بقانون قديم في كرة القدم: من يهدر الفرص يكتب شهادة ندمه بيده. وعندما جاء أماد ديالو في الدقيقة 90، بدا وكأنه يوقع على حكم الإعدام الكروي لمنتخب ظن أن السيطرة تعني الانتصار.
ومن المفارقات الساخرة أن الإكوادور دخلت البطولة على وقع قرار رئاسي بتخفيض أسعار البيرة احتفالاً بالمونديال. لكن المنتخب خرج من مباراته الأولى وكأنه أكثر المتضررين من الحملة الترويجية، ليصبح لقب “المنتخب المخمور” مادة جاهزة للسخرية الجماهيرية في القارة اللاتينية.
ألمانيا من جهتها لا تلعب كرة قدم فقط، بل تمارس هوايتها المفضلة في صناعة الأرقام القياسية. سباعية جديدة تضاف إلى سجلها المونديالي لتصبح ثالث مباراة منذ عام 2002 يسجل فيها الألمان سبعة أهداف أو أكثر في كأس العالم. والأكثر إثارة أن الماكينات رفعت رصيدها التاريخي إلى 239 هدفاً مونديالياً، وهو رقم يؤكد أن ألمانيا لا تحتاج دائماً إلى أجمل كرة قدم، لكنها غالباً تملك أكثرها فاعلية.
أما المباراة التي تستحق التوقف عندها فنياً فهي اليابان وهولندا. الساموراي أثبت مجدداً أن التنظيم والانضباط يمكن أن يفرم الفوارق الفردية. اليابان لم تهزم هولندا، لكنها وجهت رسالة لكل المرشحين مفادها أن آسيا لم تعد ضيف شرف في المونديال.
خارطة الطريق العربية تبدو واضحة: المغرب يحتاج فوزاً على اسكتلندا ليقترب من التأهل، قطر مطالبة بإسقاط كندا في مواجهة قد تحدد مصير المجموعة بالكامل، بينما تقف تونس أمام مهمة شبه انتحارية بعد الخماسية السويدية، إذ تشير الإحصائيات التاريخية إلى أن أكثر من 84% من المنتخبات التي خسرت بفارق أربعة أهداف أو أكثر في مباراتها الافتتاحية ودعت البطولة من الدور الأول.
المونديال ما زال في بدايته، لكن رسالته الأولى وصلت بوضوح: السمعة لا تمنح النقاط، والتاريخ لا يلعب في الملعب. هنا فقط، في هذا الجنون الجميل، يمكن لقارة كاملة أن تحلم، ويمكن لعملاق أن يستيقظ ليجد نفسه فجأة مثل الآخرين..!!
كأس العالم يخلع تاج الكبار..ويمنح الحالمين حق الثورة..!!