
في الوقت الذي تسعى فيه الأجهزة الحكومية إلى تعزيز الجوانب الإعلامية بشقيها الجماهيري والتواصل الاجتماعي، لمواكبة التطورات المتسارعة، وتعزيز التواصل مع المجتمع والتعريف بدورها؛ إلا أن الواقع الإعلامي في مكاتب إعلام الوزارات والهيئات والمراكز الحكومية يعاني من ضغوط كبيرة، وأصبح بيئة منفّرة للعمل الإعلامي بسبب استمرار العمل على مدار الساعة، بما في ذلك الإجازات والعطلات الأسبوعية، دون أي مقابل يُذكر، أو في الحد الأدنى تنظيم العمل بنظام الفترات (الشفتات).
الأمر الذي يتطلب من الجهات الحكومية، وبالأخص مركز التواصل الحكومي الذي يسعى إلى تفعيل أكبر لدور دوائر التواصل والإعلام، أن ينظر بجدية أكثر إلى هذه الجوانب، والعمل على إيجاد حلول عملية بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة، بهدف الارتقاء بالعمل الإعلامي الذي لا يمكن أن يكون فاعلًا ومؤثرًا دون تهيئة كل الظروف الملائمة.
لا شك أن العمل الإعلامي بطبيعته مرهق ومجهد للغاية، خاصة في ظل الانفتاح الواسع على منصات التواصل الاجتماعي وضرورة متابعتها على مدار الساعة، ورصد الأخطاء أو التطورات الإيجابية والسلبية في المحتوى الإعلامي، مما دفع كثيرًا من العاملين إلى التفكير الجاد في مغادرة المجال الإعلامي، سواء في القطاع الحكومي أو الخاص، نتيجة ضغوط وظروف العمل الشاقة التي لم تعد تتيح لهم أي سانحة بقضاء أوقات جميلة مع أسرهم أو اصدقائهم.
ومن المهم الإشارة أيضًا إلى أن مؤشرات الأداء المؤسسي والإجادة المؤسسية تمثل عبئًا متزايدًا على دوائر التواصل والإعلام؛ إذ لم يعد العمل الإعلامي مقتصرًا على التغطيات الخبرية أو إدارة المحتوى اليومي فقط، بل تحول إلى عمل استراتيجي متواصل لا يحتمل التوقف أو التراجع. وهو في جوهره لا يخدم المؤسسة وحدها، بل يصب في مصلحة الوطن بصورة أشمل وأعمق. ومن ثم فإن هذا الدور المتنامي يستوجب تهيئة بيئة عمل مناسبة للعاملين في هذا المجال، وتوفير الحوافز والإمكانات اللازمة لضمان الاستمرارية، وتعزيز القدرة على الأداء بكفاءة واستدامة.
اليوم تجد الأجهزة الحكومية نفسها وعلى اختلافها أمام تحدٍ حقيقي يتطلب إيجاد حلول عملية لمعالجة التحديات التي تواجه دوائر الإعلام والقائمين عليها، بهدف تطوير الأداء الإعلامي والارتقاء به إلى المستويات المنشودة؛ بما يواكب متطلبات المرحلة المقبلة محليًا وإقليميًا ودوليًا، ويعكس توجهات الحكومة ودورها على مختلف المستويات. وهذا لن يتأتى من فراغ ولا بالإمكانات الحالية التي لم تعد كافية لتلبية الحد الأدنى من المتطلبات الإعلامية.
وفي المقابل، فإن المسؤولية التي يضطلع بها مركز التواصل الحكومي كبيرة، إذ يتعين عليه العمل على بلورة منظومة إعلامية أكثر فاعلية في الجهات الحكومية، وبذل جهد أكبر لتهيئة الظروف المناسبة للعاملين، باعتبارهم حجر الأساس في نجاح العمل الإعلامي الحكومي والمحرك الرئيسي؛ وذلك من خلال دراسة زيادة الكوادر في دوائر الإعلام والتواصل، وتوفير محفزات للعمل خارج أوقات الدوام الرسمي وخلال الإجازات، إلى جانب مكافآت خاصة لإدارة الحملات والفعاليات الكبرى. فهؤلاء هم الجنود المجهولون الذين يعملون بصمت، كشموع تحترق لتزيح دياجير الظلام لتضيء الطريق للآخرين. فالاحتراق الوظيفي في مجال الإعلام وصل إلى مراحله الأخيرة والخطيرة، وقد وصل الإرهاق المهني في هذا المجال إلى مستويات مقلقة تدفع كثيرين إلى الهرب منه، وترك الجمل بما حمل.
ومن الأهمية بمكان أن يقوم مركز التواصل الحكومي بإجراء دراسة شاملة لواقع العاملين في دوائر الإعلام بالأجهزة الحكومية، للوقوف على التحديات القائمة، واستكشاف واقع الحال الذي لا يسر. ثم رفع نتيجة الدراسة إلى الجهات المختصة متضمنة التوصيات اللازمة لضمان الوفاء باستحقاقات العاملين وتوفير الإمكانات اللازمة للدفع بوتيرة العمل الإعلامي قدما إلى الأمام.
فالإعلام اليوم صناعة متكاملة قائمة بذاتها، وبالمنطق الحصيف لا يمكن بناء منظومة إعلامية حكومية قادرة على مواكبة التطورات دون توفير الإمكانات التي أشرنا إليها، وتهيئة بيئة عمل مناسبة تمكّنه من التحليق عاليا وتحقيق أهدافه في إبراز الإنجازات التنموية، والتعامل مع التحديات والمعلومات المضللة، وعكس المبادرات والخطط والمؤشرات بصورة احترافية.
نأمل النظر إلى جدلية تقدير العاملين في هذا الحقل بعيون مفتوحة ودراسة، ظروفهم وواقعهم العملي والعمل على مكافأتهم ومنحهم علاوات (أوفر تايم) عن كل ساعة، وعلى مركز التواصل الحكومي أن يضطلع بدوره في إيصال هذه الرسالة باعتباره رأس الرمح في مساعي تطوير العمل الإعلامي في الأجهزة الحكومية والأب الروحي لهم، والصوت المسموع من الحكومة لاسيما وأنه يتبع أعلى جهة تنفيذية في الحكومة (مجلس الوزراء).
علي بن راشد المطاعني