علي المطاعني يكتب: هل هناك تجاوب مع "تجاوب"؟

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٠٩/يونيو/٢٠٢٦ ١٤:٠٣ م
علي المطاعني يكتب: هل هناك تجاوب مع "تجاوب"؟
علي بن راشد المطاعني

أعلنت منصة "تجاوب" أنها استقبلت أكثر من 2.6 مليون زيارة حتى نهاية مايو 2026، و785 ألف مستخدم نشط، فيما بلغ إجمالي الطلبات المقدمة عبرها أكثر من 235 ألف طلب، توزعت بين الشكاوى والبلاغات والمقترحات والاستفسارات.

هذه الأرقام تستحق الوقوف عندها مطولًا، ليس فقط باعتبارها مؤشرات أداء لمنصة إلكترونية حكومية بالغة الأهمية، وإنما لأنها تعكس جانبًا من العلاقة بين المواطن والمؤسسات الحكومية، وقياس مستوى التفاعل بين الطرفين في عصر التحول الرقمي. الأمر الذي يتطلب دراسة هذه الطلبات وتفرعاتها وتحليلها في إطار تطوير الجهاز الإداري للدولة وخدماته، ومتابعة الجهات التي وردت إليها الشكاوى والطلبات بهدف تقييم أعمالها بكفاءة عالية من خلال لجان مستقلة، فضلًا عن متابعة ما تم الرد عليه من طلبات، وما تمت معالجته من شكاوى.

وقد يتبادر إلى ذهن البعض سؤال مباشر: هل تعني هذه الأرقام أن الخدمات الحكومية تعاني من مشكلات كثيرة دفعت الناس إلى التوجه نحو المنصة لتقديم شكاواهم وملاحظاتهم؟

وقد يذهب آخرون إلى تفسير مختلف تمامًا، مفاده أن كثافة الاستخدام تعكس ثقة المجتمع في وجود قناة حكومية رسمية قادرة على الاستماع والاستجابة والمتابعة الدقيقة.

وفي الواقع، قد يكون التفسيران صحيحين بدرجات متفاوتة.

فمن الطبيعي أن يؤدي اتساع نطاق الخدمات الحكومية وتنوعها إلى ظهور ملاحظات وشكاوى تحتاج إلى معالجة، ولا توجد حكومة في العالم، مهما بلغت كفاءتها، تخلو خدماتها من التحديات أو الأخطاء أو الحاجة إلى التطوير المستمر.

لكن في المقابل، فإن وجود منصة حكومية مثل منصة "تجاوب" تستقبل هذه الملاحظات وتتيح للمستفيدين التعبير عن آرائهم ومقترحاتهم يمثل خطوة متقدمة في مسار الحوكمة والشفافية والمساءلة.

ومن اللافت أن الأرقام المعلنة لم تقتصر على الشكاوى فقط، بل شملت أكثر من 43 ألف استفسار، وما يزيد على 16 ألف مقترح، وهو ما يدل على أن منصة "تجاوب" أصبحت مساحة للحوار والتفاعل الإيجابي، وليست مجرد قناة لتلقي الشكاوى. لكن الأهم هو الاستفادة من هذا الكم الهائل من البيانات في تقييم دقيق للأجهزة الحكومية وتطويرها، بحيث تتحول هذه المدخلات إلى تحسينات عملية، تنعكس في صورة خدمات أفضل وجودة أعلى.

فليس ارتفاع الأرقام بحد ذاته مؤشرًا سلبيًا أو إيجابيًا بشكل مطلق، بل إن دلالته الحقيقية ترتبط بكيفية التعامل معها: هل تُغلق كطلبات روتينية؟ أم تتحول إلى فرص لمعالجة جذور المشكلات وتحسين الأداء؟

وفي كثير من الدول المتقدمة، لا يُقاس نجاح مثل هذه المنصات بعدد الشكاوى الواردة إليها، بل بقدرتها على تحويل تلك الشكاوى إلى حلول عملية وفرص للتطوير، وبسرعة الاستجابة وجودة الحلول المقدمة.

فالسؤال الحقيقي ليس: كم عدد الشكاوى؟ بل: كم منها تمت معالجته وتحول إلى استجابة إيجابية؟ وكم استغرقت عملية المعالجة؟ وكم مواطنًا خرج راضيًا بعد تلقي الرد؟ وكم خدمة حكومية تم تطويرها نتيجة لهذه الملاحظات؟

فعدد الطلبات يعكس حجم التفاعل مع المنصة، أما القيمة الحقيقية فتتجلى في نسب الإنجاز والاستجابة والرضا، وفي عدد المشكلات التي تم حلها فعليًا، والاستفسارات التي وجدت إجابات واضحة، والمقترحات التي تحولت إلى تحسينات ملموسة في الخدمات الحكومية.

كما أن هناك جانبًا آخر لا يقل أهمية، يتمثل في الاستفادة من البيانات الضخمة التي تنتجها منصة "تجاوب"؛ فآلاف الشكاوى والاستفسارات والبلاغات تمثل كنزًا من المعلومات يمكن من خلال تحليلها رصد مواطن الخلل المتكررة، والوقوف على أسبابها، وتوجيه الموارد نحو معالجتها بصورة جذرية بدلًا من الاكتفاء بالحلول المؤقتة.

وقد يكون من المفيد مستقبلًا نشر تقارير دورية توضح أكثر القطاعات التي وردت بشأنها ملاحظات، وأكثر الخدمات تحسنًا، ومتوسط زمن الاستجابة، ونسب الإغلاق والرضا، بما يعزز الشفافية ويمنح المجتمع صورة أوضح عن أثر منصة "تجاوب" على جودة الخدمات الحكومية. كما أن نشر نسب معالجة الشكاوى والاستفسارات والبلاغات بصورة دورية سيمنح المجتمع مؤشرًا أكثر دقة على مستوى الأداء والاستجابة، ويتيح تقييم نجاح المنصة استنادًا إلى النتائج المتحققة لا إلى حجم الطلبات الواردة فحسب.

إن النجاح الحقيقي يكمن في قدرة منصة "تجاوب" على تحويل صوت المواطن إلى قرار، والملاحظة إلى تطوير، والشكوى إلى فرصة لتحسين الخدمة. فعندما تصبح كل شكوى سببًا لمعالجة خلل حقيقي تم رصده، وكل بلاغ وسيلة للوقاية من مشكلة، وكل مقترح خطوة نحو تطوير خدمة، فإن الأرقام والإحصائيات تصبح حينها مؤشرات على نضج العلاقة بين المجتمع ومؤسساته الحكومية، وعلى نجاح الدولة في بناء منظومة تستمع بقدر ما تتحدث، وتستجيب بقدر ما تُقدّم من خدمات.

نأمل أن يكتمل هذا المسار، وأن تتحول كل هذه الجهود إلى نتائج ملموسة تعزز الثقة وترفع جودة الخدمات، وتضع تجربة منصة "تجاوب" في موقعٍ يُحتذى به في حل المشكلات.