
في سياق التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي المعاصر، لم تعد الأزمات السياسية تُقاس فقط بحجم الصراعات العسكرية أو التنافس الجيوسياسي، بل أصبحت تُقاس أيضًا بطبيعة الخطاب السياسي المنتج لهذه الصراعات، وبالمنظومات الفكرية التي تحدد كيفية إدارة النفوذ والعلاقات بين الدول. ومن هذا المنطلق، فإنّ أي خطاب تهديدي موجّه ضد سلطنة عُمان لا يمكن اختزاله في حدود التصريحات السياسية العابرة، بل ينبغي قراءته بوصفه تعبيرًا عن أزمة أعمق تتعلق بتراجع العقلانية السياسية وصعود منطق الهيمنة واستعراض القوة داخل العلاقات الدولية .
لقد شكّلت سلطنة عُمان، عبر تاريخها السياسي الحديث، نموذجًا استثنائيًا في البيئة الخليجية والإقليمية، إذ استطاعت أن تؤسس لسياسة خارجية تقوم على الاستقلالية الاستراتيجية، والحياد الإيجابي، وإدارة التوازنات الدقيقة بين القوى المتنافسة من دون الانخراط في مشاريع الاستقطاب الحاد أو التحالفات الصدامية. ولم يكن هذا النهج مجرد خيار تكتيكي مؤقت، بل كان تعبيرًا عن فلسفة سياسية متكاملة تدرك أنّ استقرار المنطقة لا يتحقق عبر عسكرة الخلافات، وإنما عبر بناء قنوات الحوار وتخفيف التوترات وإنتاج مساحات مشتركة للتفاهم السياسي .
ومن هنا، فإنّ استهداف عُمان بخطاب التهديد يكشف صدامًا بين رؤيتين متناقضتين في فهم السياسة الدولية: رؤية تؤمن بأنّ الشرعية السياسية تُبنى بالحوار واحترام السيادة والتوازن، ورؤية أخرى ترى أنّ فرض الإرادة بالقوة يمثل الوسيلة الأكثر فاعلية لإدارة النظام الدولي. غير أنّ التجربة التاريخية أثبتت أنّ منطق القوة المجردة عاجز عن إنتاج استقرار دائم، وأنّ الهيمنة التي لا تستند إلى شرعية أخلاقية وقانونية تتحول مع الزمن إلى عامل لإعادة إنتاج الأزمات بدلًا من احتوائها .
إنّ الخطاب السياسي القائم على التهديد لا يعكس بالضرورة فائض قوة بقدر ما يكشف أحيانًا عن أزمة في القدرة على إدارة النفوذ بوسائل عقلانية ومستقرة. فالقوى الكبرى حين تواجه تحولات في موازين القوة الدولية أو تحديات في فرض رؤيتها الأحادية، تلجأ في كثير من الأحيان إلى التصعيد الرمزي والعسكري لتعويض التراجع النسبي في قدرتها على التحكم بالمجال الجيوسياسي. ولذلك، فإنّ لغة التهديد تصبح أداة لإعادة إنتاج صورة الهيمنة أكثر من كونها تعبيرًا عن مشروع استقرار حقيقي .
وفي المقابل، تمثل عُمان حالة سياسية مختلفة في المنطقة؛ إذ لم تبنِ حضورها الإقليمي على منطق الاستقطاب أو صناعة الخصومات، بل على قدرتها في الحفاظ على خطوط التواصل مع مختلف الأطراف المتنازعة، وهو ما منحها مكانة استثنائية بوصفها وسيطًا موثوقًا وقوة توازن هادئة في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب. وقد أثبتت التجربة أنّ الدبلوماسية العُمانية لعبت أدوارًا محورية في تخفيف التوترات وفتح قنوات للحوار في ملفات بالغة التعقيد، الأمر الذي جعل من السلطنة عنصرًا مهمًا في معادلة الاستقرار الإقليمي..
كما أنّ التحولات الكبرى في الفكر السياسي المعاصر تؤكد أنّ النفوذ الحقيقي لم يعد مرتبطًا فقط بالتفوق العسكري، بل بالقدرة على بناء الثقة وإنتاج الشرعية وصناعة النفوذ الناعم. وفي هذا السياق، استطاعت عُمان أن تفرض حضورها السياسي عبر رصيدها الأخلاقي والدبلوماسي، لا عبر استعراض القوة أو التورط في سياسات المغامرة والصدام. وهذا ما منحها احترامًا دوليًا تجاوز حدود إمكاناتها المادية والجغرافية .
إنّ أخطر ما في الخطابات التهديدية أنّها لا تستهدف دولة بعينها فقط، بل تستهدف فكرة الاستقرار القائم على التوازن والحوار. ولذلك، فإنّ الدفاع عن النهج العُماني لا يمثل دفاعًا عن سياسة دولة فحسب، بل دفاعًا عن نموذج سياسي يؤمن بأنّ الأمن الإقليمي لا يتحقق عبر الإكراه والهيمنة، وإنما عبر احترام السيادة وبناء التفاهمات المشتركة .
وفي النهاية، تبقى عُمان نموذجًا للدولة التي استطاعت أن تحافظ على استقلال قرارها السياسي وسط بيئة إقليمية مضطربة، وأن تبني مكانتها الدولية بالحكمة لا بالضجيج، وبالعقلانية لا بالمغامرة، وبالدبلوماسية لا بالاستعراض العسكري. ولهذا، فإنّ أي محاولة لفرض منطق التهديد عليها تكشف في جوهرها أزمة في فهم معنى القوة السياسية الحديثة، وعجزًا عن إدراك أنّ الاستقرار الحقيقي يبدأ من احترام الدول لا من إخضاعها .