محمد محمود عثمان يكتب: الدبلوماسية العسكرية وشبح الحرب في مضيق هرمز

مقالات رأي و تحليلات السبت ٢٣/مايو/٢٠٢٦ ١٦:٢٤ م
محمد محمود عثمان يكتب: الدبلوماسية العسكرية وشبح الحرب في مضيق هرمز
محمد محمود عثمان
الأزمة بين أمريكا وإيران ليست مجرد خلاف سياسي أو ملف نووي، بل معركة مرتبطة بأحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي: مضيق هرمز، وتخطيط ترامب لاستغلال الملف النووي الإيراني كمبرر للتمركز والتحكم في نفط المنطقة بعد السيطرة على نفط فنزويلا، في مواجهة الاقتصاد الصيني كقوة واعدة قادمة بقوة.
فمشكلة الملف النووي قد انتهت -وفق تصريحات ترامب- بالتدمير الكامل للمنشآت النووية الإيرانية، كما أنها لا تحتاج إلى كل هذا الوقت من المفاوضات؛ وأن كل ما يدور من مفاوضات ماراثونية حول اليورانيوم المخصب مجرد غطاء لتوقيع اتفاقيات سرية مع إيران، لأنها تتسم بالغموض وتثير الكثير من الدهشة والتساؤلات.
والسؤال الغريب والمريب الآن: لماذا يتقدم العسكريون إلى الواجهة الدبلوماسية في ظل غياب وزير الخارجية الباكستاني؟ وهذا ما يبدو واضحًا في المشهد المعقد بين واشنطن وطهران، وتفضيل العرب البقاء في مدرج المتفرجين، وأمامهم تتحرك الرسائل عبر قادة الجيوش والأجهزة الأمنية أكثر مما تتحرك عبر وزارات الخارجية.
حيث يقود المفاوضات وفدٌ يضم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، ووزير الداخلية محسن نقوي، ومعهم عاصم مالك رئيس الاستخبارات؛ وهذا بحد ذاته أمر مُخيف، ويعطي دلالة على أن الملف المطروح يتجاوز الملف النووي إلى أهداف أخرى -قد نكشف عنها لاحقًا-؛ لأنه عندما يتحرك قائد الجيش شخصيًا، فهذا غالبًا يعني أن الملف مرتبط بحسابات إقليمية كبرى، ولأنه فيما يبدو أن باكستان تدير قناة اتصالات خلفية بين الطرفين.
فما يجري اليوم يكشف أن الرسائل المتبادلة بين واشنطن وطهران لم تعد سياسية بالمعنى التقليدي، بل أصبحت مرتبطة بأسئلة استراتيجية خطيرة تتعلق بأمن الطاقة العالمي، وفي الخليج بشكل خاص. وربما لا ترغب أمريكا في الاستغناء تمامًا عن إيران كـ"شرطي" سابق في المنطقة، برغم تقليم أظافرها، مع تنصيب "شرطي" آخر أقوى وهو باكستان.
بالإضافة إلى قبول الطرفين بتفاهمات مرحلية، يُعلن من خلالها كل طرف انتصاره، حتى المهزوم منهم.
ولهذا فإن أي تهديد لحرية الملاحة في مضيق هرمز لا يعني أزمة إقليمية فقط، بل هزة مباشرة للاقتصاد العالمي بأكمله.
فهذا المضيق الضيق الواقع بين إيران وسلطنة عمان ليس مجرد ممر بحري عادي، ولكن يُنظر إليه باعتباره أخطر "عنق زجاجة" اقتصادي في العالم. ولذلك من المستغرب والمستهجن أن تتصدر أمريكا المشهد بزعم أن القوات الأمريكية هي الضمان لأمن دول الخليج -حتى تستمر في الحصول على فواتير الحماية أو الإتاوة-.
والضامن لحرية الملاحة في المضيق بعد أن أقحمت طهران -بموافقة ضمنية أمريكية- ذلك في الأزمة، بعيدًا عن الملف النووي الذي تعنيه أمريكا وهو أساس المشكلة كما زعمت، وليس استهداف ناقلات النفط أو الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية؛ لأن ذلك لا دخل له في حرية العبور الآمن في المضيق وفقًا للقانون الدولي.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تبدو الرسائل الحالية "ماراثونية" وسرية في الوقت نفسه.
فالولايات المتحدة تحاول استخدام القوة العسكرية للضغط وتحسين شروط التفاوض، بينما تستخدم إيران موقعها الجغرافي وقدرتها على تهديد الملاحة كورقة ردع استراتيجية.
والأخطر أن دول الخليج، بل ودول العالم، لا تعرف مضمون الرسائل التي تُنقل بين الطرفين عبر القنوات العسكرية والأمنية، والتصريحات المتناقضة للرئيس ترامب؛ وهذا ما يجعل المشهد أكثر توترًا، نظرًا لوجود قوات بحرية وجيوش في حالة استنفار، ورسائل سرية لا يعرف أحد حدودها، ولا حدود الخريطة الجديدة للشرق الأوسط بعد الحرب، في ظل حرص سلطنة عمان على منع تحويل هرمز إلى ساحة مواجهة دائمة بين القوى الكبرى، وغياب الدور الصيني والروسي الفاعل، ليبقى الاقتصاد العالمي معلقًا على بضعة أميال بحرية في مضيق هرمز.
ولذلك فإن الحرب لن تستمر داخل حدود إيران فقط، بل ستنتقل إلى أسواق النفط والطاقة والتجارة الدولية، وتكاليف التأمين والشحن، واضطراب سلاسل الإمداد، وتراجع حركة السفن بشكل حاد.
بل إن التأثير لا يتوقف عند النفط فقط، لأن مضيق هرمز أصبح جزءًا من منظومة الغذاء العالمية أيضًا، عبر مرور الغاز والمواد المرتبطة بصناعة الأسمدة، ما يعني أن أي تعطيل طويل قد يتحول لاحقًا إلى موجة تضخم غذائي عالمي.
بعد أن تحول الخلاف الأمريكي-الإيراني إلى معركة ثنائية حول: من يملك القدرة على التحكم بشريان الطاقة العالمي؟ ومن يستطيع فرض قواعد الملاحة والأمن في الخليج؟
وهنا تحديدًا تتجاوز الأزمة حدود السياسة، لتصبح أزمة سيادة وممرات دولية واقتصاد عالمي في آن واحد.
ويبقى الأمل في تحرك دولي بقيادة فرنسا وبريطانيا، من خلال المشروع المقدم لمجلس الأمن، لاكتساب شرعية دولية لإعادة الملاحة الآمنة في مضيق هرمز.