صادق بن حسن اللواتي يكتب: المواطنة في نظرية ولاية الفقيه رؤية حضارية معاصرة

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ١٨/مايو/٢٠٢٦ ١١:٤٤ ص
صادق بن حسن اللواتي يكتب: المواطنة في نظرية ولاية الفقيه رؤية حضارية معاصرة

يشهد مفهوم المواطنة في الفكر السياسي المعاصر تحولات متسارعة نتيجة التطورات السياسية والاجتماعية والثقافية التي فرضتها العولمة والتغيرات الدولية الحديثة، الأمر الذي جعل المواطنة تتجاوز معناها التقليدي بوصفها رابطة قانونية بين الفرد والدولة، لتتحول إلى مفهوم شامل يرتبط بالهوية والانتماء والمشاركة والحقوق والواجبات والمسؤولية الاجتماعية. وقد دفعت هذه التحولات العديد من المدارس الفكرية إلى إعادة قراءة مفهوم المواطنة وفق مرجعياتها الحضارية والثقافية، ومن بين هذه المحاولات ما طرحه الفكر السياسي الإسلامي المعاصر من خلال نظرية ولاية الفقيه، التي سعت إلى تقديم رؤية تجمع بين المرجعية الإسلامية ومتطلبات الدولة الحديثة ضمن إطار حضاري وأخلاقي متكامل .
تنطلق المواطنة في نظرية ولاية الفقيه من تصور يرى الإنسان كائنًا يحمل بعدًا أخلاقيًا وحضاريًا، وليس مجرد فرد تربطه بالدولة علاقة قانونية أو إدارية. فالفرد في هذا النموذج يُنظر إليه بوصفه جزءًا من مجتمع قائم على منظومة من القيم المشتركة التي تستند إلى العدالة والكرامة الإنسانية والتكافل والمسؤولية الجماعية. ولذلك فإن المواطنة لا تُختزل في حدود الجغرافيا السياسية أو في مفهوم الجنسية فقط، بل ترتبط أيضًا بالانتماء إلى أمة تمتلك هوية ثقافية وحضارية تسعى إلى تحقيق الخير العام والاستقرار الاجتماعي .
وقد ارتبط مفهوم المواطنة في الفكر الغربي الحديث بظهور الدولة القومية التي قامت على أساس السيادة الوطنية والمساواة القانونية بين المواطنين، حيث أصبح الفرد يتمتع بحقوق مدنية وسياسية مقابل التزامه بمجموعة من الواجبات تجاه الدولة. غير أن هذا النموذج واجه تحديات عديدة مع تصاعد قضايا الهوية والتعددية الثقافية والدينية، مما دفع كثيرًا من المفكرين إلى البحث عن نماذج أكثر قدرة على تحقيق التوازن بين الخصوصية الثقافية ومتطلبات الدولة الحديثة. وفي هذا السياق، حاولت نظرية ولاية الفقيه تقديم تصور مختلف للمواطنة ينطلق من المرجعية الإسلامية، مع الاستفادة من مؤسسات الدولة الحديثة وآلياتها التنظيمية .
وتقوم هذه النظرية على مبدأ أن الشريعة الإسلامية تمثل المرجعية العليا للحياة السياسية والاجتماعية، وأن الدولة ينبغي أن تسعى إلى تحقيق العدالة وصيانة كرامة الإنسان وحفظ النظام العام. ومن هنا، فإن المواطنة في هذا التصور تكتسب بعدًا أخلاقيًا وحضاريًا يتجاوز الإطار الإداري أو القانوني، حيث يصبح المواطن شريكًا في بناء المجتمع وتحقيق أهدافه الحضارية، وليس مجرد تابع للسلطة السياسية. كما أن الدولة لا تُبنى على أساس الهيمنة أو السلطة المطلقة، وإنما على أساس المسؤولية والرعاية وتحقيق المصلحة العامة .
ويُعد مبدأ العدالة من أهم الأسس التي تقوم عليها المواطنة في نظرية ولاية الفقيه، إذ تُعتبر العدالة أساس شرعية النظام السياسي وغاية مؤسساته المختلفة. فالعدالة هنا لا تقتصر على تطبيق القانون بصورة شكلية، بل تشمل مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما يضمن حفظ حقوق الإنسان وتحقيق التوازن داخل المجتمع. ولذلك تُرفض أشكال التمييز القائمة على العرق أو القومية أو الطبقة الاجتماعية، ويُنظر إلى الإنسان باعتباره كائنًا مكرمًا يمتلك حقوقًا أساسية يجب احترامها وصيانتها .
كما ترتبط المواطنة في هذا التصور بفكرة الهوية الحضارية المشتركة، حيث لا يُنظر إلى الانتماء الوطني بوصفه متعارضًا مع الانتماء الإسلامي، بل باعتباره جزءًا من إطار حضاري أوسع ينتمي إلى الأمة الإسلامية. وبهذا المعنى، تحاول نظرية ولاية الفقيه التوفيق بين مفهوم الدولة الوطنية الحديثة وبين مفهوم الأمة، من خلال اعتبار أن الانتماء الوطني يمثل مستوى مشروعًا من مستويات الانتماء، ما دام لا يتحول إلى أداة للتعصب أو الإقصاء أو الصراع الثقافي. ومن ثم فإن المواطنة تصبح وسيلة للحفاظ على الخصوصية الحضارية والثقافية، وفي الوقت نفسه إطارًا للتفاعل مع العالم الحديث والانفتاح على منجزاته .
ومن الجوانب المهمة في هذه الرؤية أيضًا التأكيد على المسؤولية الجماعية، إذ لا تقوم المواطنة على المطالبة بالحقوق فقط، بل تشمل كذلك الالتزام بالواجبات تجاه المجتمع والدولة. فالفرد في هذا النموذج مسؤول عن المساهمة في بناء المجتمع والدفاع عن استقراره والمشاركة في تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية. ولذلك تؤكد نظرية ولاية الفقيه على أهمية المشاركة السياسية والاجتماعية، وعلى ضرورة حضور المجتمع في عملية صناعة القرار، باعتبار أن الشرعية السياسية لا تنفصل عن إرادة الأمة وقبولها .
وفي البعد الاجتماعي، تسعى هذه النظرية إلى تعزيز قيم التكافل والتضامن وتحقيق العدالة الاجتماعية، انطلاقًا من قناعة مفادها أن الاستقرار السياسي لا يمكن أن يتحقق في ظل التفاوت الحاد والفقر والتهميش. ومن هنا تتحمل الدولة مسؤولية حماية الفئات الضعيفة، وتوفير مقومات الحياة الكريمة، وتحقيق التوازن الاقتصادي والاجتماعي بما يرسخ شعور الفرد بالانتماء والاستقرار. فالمواطنة الحقيقية لا تتحقق إلا عندما يشعر المواطن بأنه شريك فعلي في المجتمع، وأن حقوقه وكرامته مصانتان ضمن إطار من العدالة والمساواة .
أما في بعدها الحضاري، فإن نظرية ولاية الفقيه تسعى إلى تقديم نموذج أخلاقي وإنساني يواجه النزعات المادية التي هيمنت على كثير من النظم المعاصرة، حيث ترتبط المواطنة ببناء الإنسان الواعي بهويته الحضارية والقادر على التفاعل مع العالم من دون أن يفقد خصوصيته الثقافية والدينية. ولذلك تؤكد هذه الرؤية على أهمية العلم والعمل والإنتاج والوعي الثقافي باعتبارها عناصر أساسية في نهضة المجتمع وتقدمه .
ورغم ما تطرحه هذه النظرية من أبعاد حضارية وفكرية، فإنها تواجه تحديات معاصرة تتعلق بالعلاقة بين الدولة الوطنية ومفهوم الأمة، وبكيفية التوفيق بين المرجعية الدينية ومتطلبات الديمقراطية الحديثة وحقوق الإنسان والتعددية السياسية والثقافية. كما أن التحولات العالمية المتسارعة تفرض على مختلف النظريات السياسية إعادة تطوير مفاهيمها وآلياتها بما ينسجم مع المتغيرات الجديدة ويحافظ في الوقت نفسه على هويتها الفكرية والقيمية .
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن المواطنة في نظرية ولاية الفقيه تمثل محاولة فكرية لبناء رؤية سياسية وحضارية تجمع بين الهوية الإسلامية ومتطلبات الدولة الحديثة، وتسعى إلى تأسيس مجتمع يقوم على العدالة والكرامة الإنسانية والتكافل والمسؤولية المشتركة. كما تعكس هذه الرؤية سعي الفكر السياسي الإسلامي إلى تطوير مفاهيمه بما يتيح له التفاعل مع العالم المعاصر والمشاركة في إنتاج نموذج حضاري قادر على تحقيق التوازن بين الأصالة والمعاصرة، وبين الانتماء الديني ومتطلبات الدولة الحديثة .