شراكة استراتيجية ضخمة.. الصين تعلن تدريب 1200 مسؤول عماني وتوسع استثماراتها في الطاقة الخضراء بسلطنة عُمان

مؤشر الاثنين ١١/مايو/٢٠٢٦ ١٢:٤٥ م
شراكة استراتيجية ضخمة.. الصين تعلن تدريب 1200 مسؤول عماني وتوسع استثماراتها في الطاقة الخضراء بسلطنة عُمان

مسقط - خالد عرابي

السفير الصيني في مسقط: ندعو لوقف فوري لإطلاق النار ونثمن الدور الدبلوماسي العماني في الشرق الأوسط

ليو جيان يطرح رؤية من 4 نقاط للسلام الإقليمي ويؤكد: الصين وعمان تتمسكان بالحلول السياسية للنزاعات

من مسقط إلى العالم.. السفير الصيني يكشف عن مبادرات بكين الأربع العالمية ويدعو لتجاوز "قانون الغابة"

ندوة السفارة الصينية تؤكد: الأمن شرط للتنمية وتدعو الإعلاميين لنقل الحكمة الشرقية القائمة على التعاون

أكد سعادة ليو جيان، سفير جمهورية الصين الشعبية لدى سلطنة عُمان، تمسك بلاده وسلطنة عُمان بحل النزاعات الدولية عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية، مثمناً الجهود الدبلوماسية العمانية الرامية إلى احتواء التصعيد في منطقة الشرق الأوسط.

جاء ذلك خلال ندوة صحفية أقامتها السفارة الصينية في مسقط، حيث طرح السفير رؤية شاملة من أربع نقاط لتحقيق السلام والاستقرار الإقليمي، مستعرضاً في الوقت ذاته عمق العلاقات الثنائية وآفاق التعاون المستقبلي في إطار مبادرة الحزام والطريق ورؤية عُمان 2040.

وكانت قد أقامت سفارة الصين في سلطنة عُمان ندوة صحفية بعنوان "التمسك بمبدأ حل النزاعات بين الدول بالوسائل السياسية والدبلوماسية". وألقى سعادة ليو جيان، السفير الصيني لدى سلطنة عُمان، كلمة رئيسية شرح فيها مواقف الصين ومقترحاتها بشأن الوضع الراهن في الشرق الأوسط، وكيفية تفاعل النظرية الكامنة وراء هذه المقترحات مع سلطنة عُمان على المستويين الإقليمي والثنائي.


وحضر الندوة عدد من الضيوف المرموقين، من بينهم سعادة المكرم عوض باقوير، عضو مجلس الدولة، وسعادة الشيخ عبد العزيز الحوسني، رئيس دائرة آسيا والباسيفيك بوزارة الخارجية، وسعادة الدكتور خالد السعيدي، رئيس جمعية الصداقة العُمانية الصينية، وسعادة السفير مشتاق الصالح، سفير سلطنة عُمان الأسبق لدى الصين. كما حضر كل من سعادة حاتم الطائي، رئيس تحرير صحيفة الرؤية، وسعادة صالح الزكواني، رئيس مجلس إدارة مجموعة أبيكس الإعلامية، إلى جانب المحررين والصحفيين وغيرهم من الضيوف البارزين.

وأشار السفير ليو في كلمته إلى أن الحرب في الشرق الأوسط امتدت لفترة طويلة، فأثرت على منطقة الخليج وامتدت تداعياتها إلى أنحاء العالم، مؤكداً أنها حرب ما كان ينبغي أن تقع أصلاً. وأعرب عن تقديره الكبير للجهود الدبلوماسية التي تبذلها سلطنة عُمان، مسلطاً الضوء على موقف الصين وجهودها الرامية إلى تحقيق السلام في المنطقة. كما شرح بالتفصيل رؤية من أربع نقاط لتعزيز السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، طرحها فخامة الرئيس شي جينبينغ، وهي كالتالي:

أولاً، التمسك بمبدأ التعايش السلمي: إن دول الشرق الأوسط، بما فيها دول الخليج، جيران يعتمد بعضهم على بعض ولا يمكن نقلهم جغرافياً. لذا، من الضروري دعم دول المنطقة لتحسين العلاقات فيما بينها، ودفع تشكيل إطار أمني مشترك ومتكامل وتعاوني ومستدام، بما يرسخ أساس التعايش السلمي.

ثانياً، التمسك بمبدأ سيادة الدول: تعد السيادة ركيزة أساسية لبقاء وتنمية جميع دول العالم، وخاصة الدول النامية، ولا يجوز المساس بها. ويجب احترام سيادة دول الشرق الأوسط وأمنها وسلامة أراضيها بشكل جاد، مع الحفاظ على سلامة أفراد كافة الدول ومنشآتها ومؤسساتها بخطوات ملموسة.

ثالثاً، التمسك بمبدأ سيادة القانون الدولي: من الضروري الحفاظ على هيبة القانون الدولي، وعدم استغلاله بشكل انتقائي، أو إعادة العالم إلى عصر يحكمه "قانون الغابة". ويجب الحفاظ بثبات على المنظومة الدولية المتمحورة حول الأمم المتحدة، والنظام الدولي القائم على القانون الدولي والقواعد الأساسية للعلاقات الدولية المستندة إلى مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

رابعاً، التمسك بالتوفيق بين التنمية والأمن: إن الأمن شرط مسبق للتنمية، والتنمية ضمان للأمن. وينبغي لكافة الأطراف خلق بيئة مواتية وضخ طاقة إيجابية في تنمية دول المنطقة. وإن الجانب الصيني على استعداد لتقاسم فرص "التحديث الصيني النمط" مع دول الشرق الأوسط، وتخصيب التربة للتنمية والأمن في المنطقة.

وأكد السفير ليو أن الصين تدعو إلى وقف إطلاق النار ووقف الأعمال العدائية بشكل فوري وشامل، وتدعم كافة الجهود التي تفضي إلى استعادة السلام، ملتزمة بحل النزاعات عبر وسائل سياسية ودبلوماسية. وأضاف أن الصين تدعم دول المنطقة في بناء موطن مشترك قائم على حسن الجوار والتنمية والأمن والتعاون، وفي تحديد مستقبلها ومصيرها، وتعزيز السلام والاستقرار على المدى الطويل.

وصرح السفير ليو بأن الصين لطالما التزمت بموقف موضوعي ونزيه بشأن الوضع في الشرق الأوسط، وعملت بنشاط على تعزيز السلام والمحادثات. وأشار إلى أن فلسفة الصين الدبلوماسية ومواقفها تنبع من فكر شي جينبينغ بشأن الدبلوماسية، الذي لعب فيه الرئيس دوراً حاسماً في تأسيسه، معتبراً أن "بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية" هو جوهر هذا الفكر. ونوه إلى قول الرئيس شي جينبينغ: "البشرية كيان واحد، والأرض وطن واحد، وفي مواجهة التحديات المشتركة، لا يمكن لأي فرد أو دولة أن تبقى بمنأى عن التأثير، وليس أمام البشرية مخرج آخر سوى العمل معاً في وئام والتعايش السلمي". وعليه، تدعو الصين إلى تجاوز الصراعات والمواجهات عبر التنمية السلمية، وإحلال الأمن المشترك محل الأمن المطلق، واستبدال لعبة المحصلة الصفرية بالتعاون والمنفعة المتبادلة، ومنع صدام الحضارات عبر التبادل والتعلم المتبادل، وحماية كوكب الأرض عبر التنمية الخضراء، والعمل مع المجتمع الدولي على بناء عالم يسوده السلام الدائم والأمن الشامل والرخاء المشترك والانفتاح والتسامح والنظافة والجمال.

ومن أجل تحقيق هذه الأهداف، طرح الرئيس شي جينبينغ المبادرات العالمية الأربع: مبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، ومبادرة الحوكمة العالمية. وتركز مبادرة التنمية العالمية على التعاون الدولي في مجال التنمية، بينما تركز مبادرة الأمن العالمي على حل النزاعات الدولية عبر الحوار والتشاور. وتسعى مبادرة الحضارة العالمية إلى تعزيز التبادل والتعلم المتبادل بين الحضارات، أما مبادرة الحوكمة العالمية فتهدف إلى بناء نظام حوكمة عالمي أكثر عدلاً وإنصافاً. وتشكل هذه المبادرات الأربع معاً دعامة أساسية لبناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية.

وتعد المبادرات العالمية الأربع إجراءات ملموسة على أرض الواقع؛ فحتى نهاية العام الماضي، نجحت مبادرة التنمية العالمية في حشد أكثر من 23 مليار دولار لدعم التنمية والنهضة في دول الجنوب العالمي، وتنفيذ أكثر من 1800 مشروع تعاوني. وتعمل الصين على تعزيز قضية السلام الدولي من خلال تنفيذ مبادرة الأمن العالمي، وتدعو إلى مفهوم أمني مشترك وشامل وتعاوني ومستدام، مساهمة في تحقيق المصالحة التاريخية بين السعودية وإيران، كما قامت بدور وساطة إيجابي في النزاع بين تايلاند وكمبوديا، وشاركت مع أكثر من 30 دولة في تأسيس المنظمة الدولية للوساطة في هونغ كونغ، مما ساعد في حشد التوافق والنفوذ المشترك للمجتمع الدولي في مواجهة التحديات الأمنية العالمية.

كما تعمل الصين على ترويج مفاهيم أساسية لمبادرة الحضارة العالمية، مثل تنوع الحضارات والحوار المتكافئ والتعاون والمنفعة المتبادلة، وتشجيع الأمم المتحدة على اعتماد "اليوم الدولي للحوار بين الحضارات". وأنشأت "مجموعة أصدقاء الحوكمة العالمية"، لترويج مبادئ مبادرة الحوكمة العالمية، بما فيها المساواة في السيادة وسيادة القانون الدولي والتعددية الأطراف ووضع الشعب في المقام الأول وتحقيق نتائج ملموسة، مع السعي لمعالجة عجز الحوكمة العالمية وتحسين ضعف تمثيل دول الجنوب العالمي. وفي هذا السياق، طرحت مبادرة حوكمة الذكاء الاصطناعي وخطة العمل العالمية لحوكمة الذكاء الاصطناعي.

وقد حقق بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية تقدماً كبيراً؛ وحتى الآن، توصلت عشرات الدول والمناطق إلى توافقات مع الصين بشأن بناء أشكال مختلفة من مجتمعات المصير المشترك، كما يتم إحراز تقدم مطرد في بناء مجتمعات مصير مشترك في مجالات الفضاء الإلكتروني والأمن النووي والصحة العامة والعلاقة بين الإنسان والطبيعة والمحيطات وغيرها.

وفيما يتعلق بالعالم العربي، طرح الرئيس شي جينبينغ فكرة المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك نحو العصر الجديد، حيث يتعاون الجانبان بعمق في مجالات تدعيم التنمية، والأمن الغذائي، والصحة، والتنمية الخضراء والابتكار، وأمن الطاقة، والحوار بين الحضارات، وتأهيل الشباب، والأمن والاستقرار.

وفي هذا الإطار، حقق التعاون الصيني العماني مخرجات مثمرة في مختلف المجالات. فقد حافظت الصين على مكانتها كأكبر شريك تجاري لعمان. كما شهدت الاستثمارات الصينية في عمان نمواً ملحوظاً، لا سيما في مجالات الطاقة الجديدة والنفط والكهرباء، حيث دخلت عدة مشاريع كبرى حيز التنفيذ والإنتاج خلال العام الماضي والعام الجاري، بما أسهم بقوة في دعم التحول الأخضر في عمان وتوفير عدد كبير من فرص العمل.

وقامت الصين بتدريب أكثر من 1200 مسؤول حكومي وكادر فني عماني. وفي عام 2025، نظمت الحكومة الصينية لأول مرة مشروعاً استشارياً رفيع المستوى حول مكافحة التصحر لعمان، وأوفدت خبراء صينيين لتقديم التدريب الميداني، وحقق المشروع نتائج إيجابية ملموسة. وفي عام 2026، سيواصل الجانب الصيني دعوة الجانب العماني للمشاركة في برامج تدريب متعددة الأطراف متعلقة بالبيئة والإيكولوجيا في الصين. كما ستوفر الصين عدداً كبيراً من المنح الدراسية للشباب العماني المتميز للدراسة في نخبة الجامعات الصينية. وقد دخل تعليم اللغة الصينية إلى منظومة التعليم الوطني في عمان، وسيتم هذا العام تنظيم أول مسابقة "جسر اللغة الصينية" في عمان.

وأشار السفير ليو إلى أن هناك إمكانات واسعة لا تزال قابلة للاستكشاف في التعاون بالمجالات ذات الصلة، مقدماً ثلاثة اقتراحات:

أولاً: تعزيز الدور التوجيهي لدبلوماسية القيادة، ورفع القيمة الاستراتيجية للعلاقات الثنائية. ففي السنوات الأخيرة، تبادل فخامة الرئيس شي جينبينغ وحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم الرسائل عدة مرات، ما رسم الاتجاه العام لتطور العلاقات الصينية العمانية. وينبغي الالتزام بالتوافقات المهمة التي توصل إليها زعيما البلدين، وتعزيز تبادل الخبرات في مجالات الحوكمة وإدارة الدولة، وإضفاء الطابع المؤسسي على آليات التعاون في مختلف المجالات، بما يضمن تطور الشراكة الاستراتيجية الصينية العمانية بثبات وعلى مستوى أعلى.

ثانياً: تعزيز مواءمة الاستراتيجيات التنموية، وتقاسم الفرص الواسعة التي يتيحها التحديث الصيني النمط ورؤية عمان 2040. فمنذ بداية هذا العام، تمكن الاقتصاد الصيني من الحفاظ على نمو مستقر وصحي رغم اضطرابات الاقتصاد العالمي. وستركز الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين على التنمية عالية الجودة والانفتاح عالي المستوى على العالم. وتعتزم الصين تعزيز مواءمة مبادرة الحزام والطريق مع رؤية عمان 2040، وتوسيع مجالات التعاون وتعميقها بما يعود بالنفع على شعبي البلدين.

ثالثاً: تعزيز التقارب الفكري والتواصل بين الشعوب، حتى تتحول الحكمة الشرقية القائمة على السلام والتعاون إلى قوة عظيمة قادرة على تغيير العالم. ونأمل من الأصدقاء من وسائل الإعلام ومراكز الفكر الحاضرين اليوم أن يعملوا على التعريف بالمفاهيم الدبلوماسية الصينية والمضامين العميقة للمبادرات العالمية الأربع لدى مختلف فئات المجتمع العماني، بما يساعد الأوساط المختلفة والجمهور على فهم الرؤى والحلول الصينية بصورة أعمق، وإيجاد نقاط الالتقاء مع عمان في مفاهيم التنمية والأمن والحضارة والحوكمة، والمشاركة بصورة أكثر فاعلية في المنصات التي توفرها المبادرات العالمية الأربع، والاستفادة من الموارد المرتبطة بها.

وفيما يتعلق بالتصعيد الأخير للتوترات في المنطقة، قال السفير ليو إن الصين ستواصل، في ظل التوجيهات الواردة في الرؤية ذات النقاط الأربع التي طرحها الرئيس شي جينبينغ، دعم دول الشرق الأوسط في بناء موطن مشترك قائم على حسن الجوار والتنمية والأمن والتعاون، والعمل على تهدئة الأوضاع واحتواء الصراع والمساعدة في إطلاق مفاوضات السلام، والاضطلاع بدور أكبر في استعادة الأمن والاستقرار في المنطقة.

وانخرط المشاركون في نقاش ودي حول المواضيع المطروحة، واتفق الجميع على ضرورة تعزيز التبادلات والتعلم المتبادل بين الصين وسلطنة عُمان في مجال إدارة الدولة، والارتقاء بتعاونهما إلى مستوى أعلى، وتكثيف الجهود لمعالجة القضايا الإقليمية بشكل مشترك، والالتزام بحل النزاعات بين الدول من خلال الوسائل السياسية والدبلوماسية، والعمل معاً على تعزيز وحماية السلام والاستقرار الدولي والإقليمي.