محمد محمود عثمان يكتب: سيناريوهات القرصنة في مضيق هرمز

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠٧/مايو/٢٠٢٦ ١٧:٢٠ م
محمد محمود عثمان يكتب: سيناريوهات القرصنة في مضيق هرمز
سيناريوهات غريبة ومتناقضة في مسار المفاوضات والوساطات بين أمريكا وإيران، نستشف منها وجود رغبة من الطرفين في بقاء الأمر على ما هو عليه، ويعلن كل منهما انتصاره، وتمكّن أمريكا إيران من ذلك لتحقيق أغراضها وأهدافها غير المعلنة عبر المقترحات المتبادلة عبر الوسيط الباكستاني، والتي لم يُفصَح عن كواليسها أو مضمونها أو تفاصيلها بتناقضاتها المعلنة. ولكن على الرغم من الغموض، فإننا يمكن أن نستشف بعض الأهداف أو المكاسب الأمريكية، وهو بيت القصيد؛ لأن إيران طرف مفعول به، وتحاول أن تقول إنها فاعلة، على الرغم مما أصابها من دمار شامل، بداية من رأس الدولة وقياداتها وعلمائها وقواتها الجوية والدفاعية والبحرية، وأصبحت في وضع الركوع التام، ولا تملك إيران غير التصريحات المتناقضة التي تؤكد إخضاعها تمامًا للمطالب الأمريكية.
لأن واقع وحقيقة المشكلة أن أمريكا اغتصبت إيران بمساعدة إسرائيل وقواعدها العسكرية المنتشرة في المنطقة، ولم ولن تستطيع إيران الرد على أمريكا أو الدفاع عن نفسها، ولذلك تهاجم دول الخليج. ثم أقحمت إيران مضيق هرمز في القضية بإغلاقه كردّ على أمريكا، التي استثمرت ذلك بالتواجد في المضيق والسيطرة عليه، وساعدتها إيران في إيجاد المبررات على ذلك، على الرغم من أنه لا دخل لأيٍّ منهما بمضيق هرمز من قريب أو من بعيد؛ فلا إيران ولا أمريكا تملكان المضيق.
لأن الدول المشاطئة لمضيق هرمز هما سلطنة عُمان وإيران، ولهما سيادة جزئية، لكنهما لا تستطيعان إغلاق المضيق تعسفًا احترامًا للقانون الدولي البحري.
وما يحدث هو صراع نفوذ على ممرات حيوية، وإيران تستخدم الضغط الجغرافي، وأمريكا تستخدم القوة العسكرية والتحالفات الإقليمية لتعزيز تواجدها في المنطقة بمنطق القراصنة؛ لأن المضائق مثل مضيق هرمز وباب المندب لا تملكهما دولة "ملكية كاملة" كما تُملك الأراضي، وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وفي المضائق الدولية، تتمتع كل السفن بحق المرور العابر، وما تقوم به إيران من احتجاز للسفن هو إجراء قسري بحري، مخالف للقانون الدولي، وانتهاك لحرية الملاحة.
كما أن ترامب يريد أن تتمركز قواته في المنطقة للسيطرة على منابع النفط والتحكم فيها بعد فنزويلا، وهو يقصد مواجهة المد الاقتصادي للصين. ولكن من السيناريوهات المريبة والغربية هو إعلان إيران أنها وافقت في مقترحها المعدل على آلية دولية وإقليمية للملاحة في مضيق هرمز، وفتح هذا الممر الملاحي الحيوي تدريجيًا مقابل رفع الحصار البحري الأمريكي.
كما أعلنت إيران أنها تخلت عن شرط خروج القوات الأمريكية من المنطقة، مكتفية بالمطالبة بإنهاء الحشد الأمريكي في محيطها، وهذا يحقق رغبة أمريكية في استمرار التواجد في المنطقة. وهنا نطرح سؤالًا: هل إيران هي التي تقرر بقاء القوات الأمريكية بالمنطقة أم لا؟ ويشير ذلك إلى وجود تفاهمات أو اتفاقيات سرية تساعد ترامب على التمركز بالمنطقة والهيمنة على نفطها والتحكم فيه. وهذا دليل على أن ما يحدث من إيران وأمريكا هو عملية قرصنة أو بلطجة؛ لأن إيران ولا أمريكا تملكان المضيق حتى تديرانه وتحافظان على سلامة السفن وعبورها الآمن.
كما أعلنت أمريكا أنها ستبدأ "مسار الحرية" لإخراج السفن العالقة في المضيق خلال فترة الحرب، من منطلق إنساني، لتبرر وجودها، وهي بذلك تسحب ورقة التفاوض بالمضيق من تحت أقدام إيران كورقة تفاوضية. وفي ذات الوقت، أنشأت منصة أمنية لمتابعة حركة المضيق وعمليات إجلاء السفن منه، ثم أعلنت التراجع عن ذلك بعد يوم واحد فقط، لتعزز بذلك التواجد الأمريكي، وتسد الباب أمام محاولات الدول الأوروبية للتواجد لتنظيف المضيق من الألغام أو الاقتراب من المنطقة وتأمين الملاحة البحرية.
لأن السيناريو الآخر، بعد إخراج السفن المحتجزة من المضيق، أن يتم الإغلاق مرة أخرى، وربما الاتفاق بين أمريكا وإيران على فرض رسوم واقتسامها بزعم تعويض إيران عن الاعتداء عليها، وتعويض أمريكا عن تكاليف الحرب على إيران، وإعلان انتصار كل الأطراف. وكأن الولايات المتحدة هي المسؤولة عن حماية طرق الملاحة الدولية. فهل أمريكا مسؤولة عن حماية مضيق هرمز؟ ولماذا تتواجد في باب المندب؟ لأن المضائق مثل مضيق هرمز وباب المندب هي ممرات دولية لا يملكها أحد، ولكن إيران تستخدم موقعها الجغرافي المطل على المضيق كورقة ضغط ومساومة مع أمريكا، ولكنها تتجاوز قواعد حرية الملاحة. وكذلك الولايات المتحدة تجعل من النفط والمصالح الاقتصادية عنصرًا أساسيًا في القرار العسكري، لذلك تُركز على بسط نفوذها، وعلى أن تدير ميزان القوة في هذه الممرات الاستراتيجية للمحافظة على مصالحها فقط، في ظل غياب الموقف العربي والخليجي الحاسم، باعتبارهم أصحاب المصالح الحقيقية، ولهم الكلمة العليا في هذا الشأن.