
الشبيبة - وكالات
في وقت تكافح فيه القرى الصغيرة في إسبانيا للبقاء على الخريطة، قررت قرية جبلية لا يتجاوز عدد سكانها 40 شخصاً أن تفتح أبوابها لعائلة جديدة، لكن العرض لا يشبه إعلانات العقارات التقليدية، حيث يتكون العرض من؛ منزل مجاني، ووظيفتين، وحياة كاملة في واحدة من أكثر مناطق البلاد عزلة.
القرية هي أرينياس الواقعة في مقاطعة سوريا بوسط إسبانيا، على بعد نحو ساعتين من مدريد. وقد تلقت 116 طلباً خلال أسبوع واحد فقط بعد إعلانها في مطلع عام 2026 عن عرض غير مألوف: عائلة تنتقل للعيش فيها بشكل دائم، تحصل على منزل مجدد مجاناً، مقابل إدارة الحانة الاجتماعية في القرية، والعمل في صيانة المباني المحلية.
ليست المسألة منحة حكومية ولا دعماً مالياً مباشراً. ببساطة، تمتلك القرية منزلاً شاغراً، وتحتاج إلى سكان جدد، فقررت أن تضع أحدهما في مقابل الآخر.
صفقة للبقاء لا للتجربة
تأتي المبادرة في قلب أزمة أوسع تعرف في إسبانيا باسم "إسبانيا الفارغة"، وهي المناطق الداخلية التي ظلت تفقد سكانها لصالح المدن الكبرى منذ خمسينيات القرن الماضي. وفي أرينياس، لا تبقى مأهولة خلال الشتاء سوى أقل من 12 منزلاً، بينما يتغير المشهد مؤقتاً فقط في عطلات الصيف والمهرجانات المحلية.
لكن عرض القرية لا يستهدف أي شخص يبحث عن تجربة ريفية قصيرة أو حياة هادئة لبضعة أشهر. الشروط واضحة: يجب أن تضم العائلة المختارة أطفالاً في سن الدراسة، وأن يتولى أحد البالغين إدارة الحانة الاجتماعية، وهي نقطة التجمع الرئيسية في القرية، بينما يعمل البالغ الآخر كعامل بلدي في البناء والصيانة، يتولى ترميم المباني المحلية والحفاظ عليها.
ووفقاً لما نقلته وسائل إعلام محلية عن رودريغو غيسميرا، عضو الجمعية الاجتماعية والثقافية في أرينياس، فإن الحانة لا تحقق دخلاً كبيراً، ولذلك يأتي السكن المجاني كجزء أساسي من المعادلة. أما وظيفة الصيانة والبناء فليست عقداً مؤقتاً، بل حاجة دائمة مرتبطة بعقود من أعمال الترميم التي ما زالت القرية تحتاج إلى الحفاظ عليها.
العائلة المختارة ستنتقل إلى واحد من 7 مساكن اجتماعية جرى تجديدها. وتؤجر المنازل الستة الأخرى بنحو 100 يورو شهرياً، بينما سيكون هذا المنزل مجانياً بالكامل.
أربعة عقود من مقاومة النزيف السكاني
لم يظهر هذا العرض من فراغ. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، بدأت أرينياس تحويل مدرسة مغلقة ومنزل طبيب سابق إلى وحدات سكنية قابلة للعيش، جزئياً بمساعدة دعم حكومي. ويصف غيسميرا ما حدث قائلاً إن القرية أصبحت "مثل بحيرة في الصحراء" في منطقة كانت تعاني شبه انعدام للسكن المتاح.
وتعود جذور الأزمة إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، حين غادر كثير من سكان الريف الإسباني إلى المدن الصناعية بحثاً عن العمل. واليوم، لا يصل عدد سكان أرينياس إلى نحو 300 شخص إلا في عطلات نهاية الأسبوع الصيفية، أو خلال مهرجان سان سيبريانو في أغسطس. أما بقية العام، فتعيش القرية على إيقاع أبطأ، بين متقاعدين ورعاة ماشية وعدد محدود من الأسر المقيمة.
وقال غيسميرا: "على الأقل توقف النزيف"، مضيفاً أن عدد السكان اليوم يقترب مما كان عليه قبل 50 عاماً. لكن المجلس المحلي والجمعية الثقافية، اللذين عملا على هذا الملف لأكثر من 40 عاماً، يبحثان عن عائلة تنوي البقاء فعلاً، لا اختبار الفكرة ثم الرحيل.
حياة جميلة.. لكنها ليست سهلة
ورغم جاذبية فكرة الحصول على منزل مجاني في قرية إسبانية هادئة، فإن الحياة اليومية في أرينياس تحمل تحديات واضحة. فقد أغلقت المدرسة المحلية قبل 3 عقود، ويضطر الأطفال إلى قطع نحو 20 كيلومتراً يومياً للوصول إلى مدرسة في بلدة بيرلانغا دي دويرو، عبر خدمة نقل مجانية توفرها القرية.
أما الرعاية الطبية الأساسية فتتوفر محلياً، لكن أي حالة أكثر تعقيداً تتطلب الانتقال إلى بلدة أكبر. ولا توجد وسائل نقل عامة فعالة، ما يجعل امتلاك سيارة أمراً ضرورياً لا رفاهية.
اقتصاد القرية يعتمد على تربية الماشية، وبعض الحرف الصغيرة، وإنتاج زيت اللافندر والعسل الحرفي من الحقول المحيطة. أما الشتاء في مرتفعات سوريا، فهو طويل وبارد، وقد يكون قاسياً لمن اعتاد حياة المدن.
من يحق له التقديم؟
يمكن للعائلات الراغبة التقديم عبر الموقع الإلكتروني لمجلس بلدية أرينياس. وتعطي عملية الاختيار أولوية لمن لديهم خبرة عملية في البناء أو الضيافة، وللعائلات التي لديها أطفال، ولمن يدركون طبيعة الالتزام الذي يطلبه العيش في واحدة من أكثر زوايا إسبانيا فراغاً من السكان.
ويستطيع المواطنون الإسبان ومواطنو الاتحاد الأوروبي التقديم دون إجراءات إضافية. أما المتقدمون من خارج الاتحاد الأوروبي، فتنطبق عليهم قواعد أكثر صرامة؛ إذ لا تستطيع القرية رعاية التأشيرات أو المساعدة في استخراج تصاريح الإقامة، ويجب أن يكون لدى المتقدمين وضع قانوني ساري داخل إسبانيا قبل النظر في طلباتهم.