
وكالات
في سابقة ديمقراطية كبرى، نجحت المبادرة المواطنة الأوروبية في حشد أكثر من مليون توقيع لتعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل.
ومع تصدر فرنسا وإيطاليا لهذه الموجة الشعبية، باتت المفوضية الأوروبية ملزمة قانونياً بمراجعة علاقاتها التجارية والسياسية العريقة، في اختبار حقيقي لمدى التزام القارة بمبادئ حقوق الإنسان وسط تصاعد الضغوط المدنية غير المسبوقة.
بلغت المبادرة 1,014,174 توقيعاً موزعاً على سبع دول أعضاء على الأقل، وهو الحد الأدنى المطلوب. تصدّرت فرنسا القائمة بقرابة 379,000 توقيع، تلتها إيطاليا بـ243,485، ثم إسبانيا بـ121,037.
ووفق موقع "توت لوروب"، تقدمت هذه المبادرة التي أطلقها تحالف اليسار الأوروبي في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، استجابةً للانتهاكات الإسرائيلية في قطاع غزة، وجمعت توقيعاتها في غضون 3 أشهر فقط.
لكن الطريق لا يزال طويلاً، بمجرد التحقق من صحة التوقيعات من قبل السلطات الوطنية، تلتزم المفوضية الأوروبية بدراستها والرد عليها - لكنها غير مُلزَمة بتنفيذ مضمونها.
وقّعت الاتفاقية عام 1995 في أعقاب اتفاقيات أوسلو، ودخلت حيز التنفيذ عام 2000، يكشف الاقتصادي إيريك بيشيه لصحيفة "ليبيراسيون" أن هذه الشراكة "غير متوازنة بشكل صارخ": الاتحاد الأوروبي يمثل 32% من إجمالي التجارة الإسرائيلية مع العالم مقابل كون إسرائيل الشريك التجاري الحادي والثلاثين للاتحاد فقط.
وتتجه 24% من الصادرات الإسرائيلية نحو أوروبا، بينما لا تمثل الصادرات الأوروبية إلى إسرائيل سوى 1% من إجمالي صادرات الاتحاد.
المادة الثانية من الاتفاقية تنص صراحة على أن العلاقات بين الطرفين تقوم على "احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية". لكن بيشيه يلفت إلى أن "الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تأخذ قط بهذه الالتزامات، وأن الاحتلال غير القانوني للأراضي الفلسطينية والاستيطان لم يتوقفا دون أن تتحرك المفوضية الأوروبية الحارسة للمعاهدات".
في سبتمبر/أيلول 2025، ردت المفوضية على طلب 17 دولة عضواً بتقديم مقترح لتعليق الشق التجاري من الاتفاقية. لكن القرار "لم يُتخذ حتى الآن"، كما يؤكد القاضي غيسلان بواسونييه لليبراسيون.
ويُشير المتحدث باسم المفوضية أنور الأنوني إلى أن هذه "الإجراءات لا تزال على الطاولة" وتُطرح بانتظام في المحادثات مع تل أبيب - لكن دون إنجاز فعلي منذ 7 أشهر.
وفق راديو فرنسا الدولي، سيلتقى وزراء خارجية الدول السبع والعشرين الثلاثاء 21 أبريل/نيسان في لوكسمبورغ، مع أولوية للملف الفلسطيني بحضور رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى.
أعلن رئيس الوزراء الإسباني مسبقاً أن بلاده ستطالب مجدداً بتعليق الاتفاقية، غير أن مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس أبدت تحفظاً واضحاً قائلة: "سنقيّم إمكانية التقدم".
الحسابات التقنية تكشف عن المعضلة: التعليق الكامل يستلزم الإجماع الأوروبي - وهو شرط شبه مستحيل حتى بعد رحيل فيكتور أوربان وإلغاء الفيتو المجري.
أما تعليق الشق التجاري فحسب فيكتفي بالأغلبية المؤهلة، وهو الخيار الأكثر واقعية. لكن حتى هذا الخيار لا تبدو أغلبيته محسومة؛ إذ تتمسك ألمانيا وعدد من دول أوروبا الشرقية بضرورة "الحفاظ على قنوات الحوار مع إسرائيل"، في حين تدعو إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا إلى القطيعة الكاملة.
ما يغيّر المعادلة هو فداحة الأحداث الأخيرة. القصف الإسرائيلي في 8 أبريل/نيسان 2026 الذي أودى بحياة أكثر من 300 شخص في بيروت ولبنان أعاد إشعال الغضب الأوروبي. في اليوم التالي، صرّح المتحدث باسم الخارجية الفرنسية باسكال كونفرو بأنه "لا يمكن استبعاد إعادة فتح النقاش حول تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل على المستوى الأوروبي، إضافة إلى عقوبات وطنية".
وزير الخارجية جان نويل بارو في 14 أبريل أكد أن فرنسا دعمت مقترح تعليق الشق التجاري، محذراً من أنها "تحتفظ بهذه الورقة إذا لم يتطور الوضع".
الأبرز أن أكثر من 350 وزيراً ومسؤولاً ودبلوماسياً سابقاً من الاتحاد الأوروبي، من بينهم جوزيب بوريل الرئيس السابق للسياسة الخارجية، وقّعوا في 15 أبريل/نيسان رسالة مفتوحة تطالب بتعليق الاتفاقية.
يلخص بواسونييه المشكلة الجوهرية: "ثمة تناقض صارخ بين الإرادة الأوروبية المُعلنة باحترام القانون الدولي - المُدرج في معاهدة الاتحاد - والممارسة الفعلية تجاه إسرائيل التي تتسامح مع كل الانتهاكات دون عقاب".
مليون مواطن أوروبي صوّتوا بتوقيعاتهم. مئات الدبلوماسيين السابقين وقّعوا بأسمائهم. وزراء الخارجية يجتمعون في لوكسمبورغ. لكن القرار يبقى رهين معادلة لا تزال غامضة: من بين الدول الأربع والعشرين المطلوبة لتشكيل الأغلبية المؤهلة، كم منها مستعد للتصويت لصالح التعليق؟ الجواب سيُعرف في الساعات القادمة.