
كتب - محمود محمد
في الوقت الذي تصارع فيه مئات الحسابات والشركات يومياً من أجل البقاء تحت أضواء منصات التواصل الاجتماعي، يرى خبراء صناعة المحتوى أن الاستمرار في القمة يتطلب ما هو أبعد من مجرد ملاحقة "التريندات" العابرة.
وفي جلسة حوارية خاصة، التقينا بمهندس الاستراتيجيات الرقمية موسى خسرو، ليحدثنا عن كواليس هذا العالم المتغير، واضعاً يده على مكامن القوة والضعف في الخطط التسويقية والإعلامية الحالية.
استهل خسرو حديثه بالإشارة إلى أن الخطأ الشائع الذي تقع فيه المنصات الناشئة أو حتى العلامات التجارية الكبرى، هو الاندفاع نحو محاكاة الآخرين بهدف كسب تفاعل سريع ومؤقت. ويوضح أن هذا الأسلوب يفقد الجهة هويتها البصرية والموضوعية، مشدداً على أن الجمهور المعاصر بات يمتلك حساً نقدياً عالياً يجعله يفرز المحتوى المقلد وينصرف عنه بسرعة، ولذلك فإن الخطوة الأولى للنجاح تبدأ من ابتكار بصمة خاصة تضمن لصاحبها صوتاً فريداً وسط ضجيج المنصات.
وانتقالاً إلى آليات الحفاظ على الجمهور، تطرق الخبير الرقمي إلى معضلة الاعتماد على منصة واحدة، واصفاً هذا التوجه بالانتحار الاستراتيجي. ويرى خسرو أن أذكياء العمل الرقمي هم من يطبقون سياسة تنويع الحضور عبر إعادة تدوير المحتوى بذكاء، كأن يتم تحويل المادة المرئية الطويلة إلى مقاطع قصيرة تناسب المنصات التفاعلية السريعة، بالتوازي مع تحويلها إلى نصوص مكتوبة تضمن الوصول لشرائح مختلفة، مع التركيز دائماً على بناء قواعد بيانات مستقلة كالنشرات البريدية والمواقع الرسمية لحماية الأصول الرقمية من تقلبات خوارزميات المنصات.
وفي سياق متصل، لم يغفل خسرو الحديث عن الجانب المظلم للانتشار الرقمي وهو الأزمات وحملات النقد السلبي. وهنا ينصح بضرورة الفصل التام بين العاطفة والإدارة المهنية، مؤكداً أن الأزمات الرقمية تُدار بالعقل والحقائق والبيانات الدقيقة، وليس بردود الأفعال المتسرعة التي غالباً ما تزيد من اشتعال الموقف، وموضحاً أن التجاهل الذكي في بعض الأحيان يعد السلاح الأقوى لقتل الموجات العشوائية.
وعند سؤاله عن كيفية قياس النجاح الحقيقي خلف الشاشات، أشار موسى خسرو إلى أن الأرقام الظاهرية للمتابعين قد تكون مخادعة إن لم تقترن بتحليل عميق للبيانات. ودعا صنّاع المحتوى إلى التحول إلى محللي بيانات يتابعون بدقة معدلات الاحتفاظ بالجمهور ليفهموا اللحظة التي يمل فيها المشاهد، ويركزوا على تحسين نسب النقر والظهور لتطوير العناوين الجاذبة، معتبراً أن قراءة الإحصائيات هي البوصلة الوحيدة التي توجه العمل نحو الاتجاه الصحيح.
واختتم خسرو رؤيته بالحديث عن الجانب الاقتصادي للمنصات، مؤكداً أن الحساب الرقمي الناجح يجب أن يُعامل كشركة مستقلة تدر عوائد وتتطلب إعادة استثمار. ونصح بضرورة تخصيص جزء من الأرباح لتطوير أدوات الإنتاج وفريق العمل وتنويع مصادر الدخل بين الاستشارات والرعايات، معتبراً أن دمج الأدوات التكنولوجية الحديثة والذكاء الاصطناعي في عمليات الإنتاج والتحليل هو الذي سيحدد ملامح النخبة الرقمية في السنوات القادمة.