علي المطاعني يكتب: الجهاز الإداري للدولة والميزان المكسور

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ١٣/أبريل/٢٠٢٦ ١٥:٣٩ م
علي المطاعني يكتب: الجهاز الإداري للدولة والميزان المكسور
علي بن راشد المطاعني

رغم التطورات والتحديثات التي شهدتها منظومة تطوير الجهاز الإداري للدولة وتنظيمه من حيث المزايا ومن المكاسب الوظيفية، إلا أنه لا يزال هناك بونا شاسعا في العديد من المزايا بين الهيئات والوزارات والمراكز، وكذلك بين أجهزة الدولة المدنية والعسكرية، مما يضع فجوة كبيرة بين موظفين يؤدون نفس المهام الوظيفية ويقضون نفس ساعات العمل، فضلًا عن التمتع بنفس الإجازات وغيرها.

وهنا تنبثق من تلقاء ذاتها تساؤلات موضوعية حول لماذا وكيف لبعض الجهات المدنية أن تمنح مزايا لموظفيها تفوق وتتفوق على مزايا جهات أخرى، والجميع يتمتعون بنفس سنوات الخبرة والمؤهلات، ولماذا توجد في الأصل هكذا فجوات وثغرات وهفوات بين أجهزة الدولة؟

الأمر الذي يتطلب من الأجهزة المعنية ممثلة في وزارة العمل المضي قدمًا في مساعيها نحو إيجاد تسوية عادلة تزيح بموجبها الفوارق بين الموظفين في الأجهزة الحكومية على اختلافها، وتحجيم ما تسببه من حواجز وحساسيات نفسية ومعنوية تؤثر بالتالي على فعالية الموظف نتيجة لما يحس به من ضيم كأمر طبيعي ومنطقي.

بلا شك أن الجهود الحميدة التي بذلتها الحكومة في السنوات الماضية في تجميع أجهزة الدولة المختلفة، وتحجيم فوارق معاشات ما بعد الخدمة، وحصر صناديق المعاشات بنحو يعزز من دور صندوق الحماية الاجتماعية، فضلًا عن بلورة الجانب القطاعي لأجهزة الدولة وإخضاعه للمزيد من المرونة والحد من تضارب الاختصاصات، إلا أن هناك بعض المنغصات لا تزال قائمة وتعيق من إكمال هذه التطورات.

فهل يعقل أن موظفًا في جهة ما يتساوى في المؤهلات والخبرات مع موظف آخر في جهة ثانية غير أنه يتمتع بمزايا وظيفية أعلى على صعيد سلم الرواتب والدرجات والترقيات والعلاوات، ومزايا لا يجدها الثاني المناظر له، ففي هكذا حال فمن الطبيعي والمنطقي أن ينتاب الثاني إحساس ما بالغبن وانعدام العدالة واجبة الاتباع، ثم يحاول أن يجد فرصة أخرى في مؤسسة أخرى مثل الشركات الحكومية؛ ليصطدم بقرارات تمنع منافسته في بعض الوظائف فقط لأنه موظف حكومي، فلا هو يتساوى مع غيره في تلك الجهات من حيث الدرجات والعلاوات والميزات، ولا هو حظي بفرصة المنافسة في فرص جيدة بالنسبة له! هكذا مشاهد ومواقف هي ما يتعين على الحكومة أن تجد لها الحلول الشافية والناجعة في القريب العاجل لتستقيم بعدها المنظومة الإدارية في الحقوق والواجبات، وهذا بالطبع الأمر الطبيعي والذي بموجبه ينطلق الجميع في سباق محموم لتجويد الأداء والارتقاء به، وهذا عينه ما نتطلع إليه جميعًا.

فإذا كانت الجهات والشركات الحكومية في الفترة الماضية أنشأت جداول رواتب لنفسها ووفق ما كانت تراه مناسبًا، حددت بموجبه فترة الترقيات وزيادة العلاوات نأيًا عن غيرها من الجهات الحكومية على اختلافها، لقد حان الآن الوقت لتسوية كل تلك المفارقات وصولًا بها لخط الاستواء والاعتدال والإنصاف، فمن غير الملائم أن يظل التباين كالجرح المفتوح نراه ثم نتركه ينزف، وبدون أن نهرع لمداواة الجرح بأفضل الأدوية والمضادات الحيوية المتاحة، العدالة تأمرنا بذلك ونحن تحت طوع بنانها فيما تأتمر به، فهي تمثل الحق، والحق لا يُعلى عليه بالتأكيد.

ومن المفارقات المدهشة في هذا الصدد هو أن هناك جهات مختلفة تم دمجها كأمر طبيعي في الإطار التنظيمي لأجهزة الدولة، وهنا وجدنا أن بعض الموظفين في الجهة الأولى مخصصاتهم تفوق مخصصات الجهة الثانية المندمجة، وكلاهما يحمل نفس المؤهلات والخبرات، ومخصصات درجة المدير تفوق مخصصات درجة المدير العام، ففي هكذا موقف كيف لهما أن يعملا تحت مظلة وسقف واحد، ومن منهما يأتمر بتوجيهات الآخر، هذا فضلًا عن الحساسية التي تنشأ تلقائيًا ما بين الموظفين نتيجة لهذه الفوارق اللامنطقية.

بالطبع ندرك تمامًا بأن معالجة هذا الوضع المتأزم ليست بسيطة وتحتاج إلى جهود كبيرة ومراجعات دقيقة لكل الملفات، لكن التصدي لها يقع في خانة فرض العين لا فرض الكفاية، فبدون هذا التصدي لن يستقيم عود وظل الجهاز الإداري للدولة.

نأمل أن تعالج هذه التباينات في الدرجات الوظيفية، وسلالم الرواتب والترقيات والعلاوات بأسرع فرصة ممكنة درءًا للتبعات التي أشرنا إليها والتي تؤثر سلبًا على منظومة العمل وفي سلامة روح الفريق الواحد في كل جهة حكومية.