علي المطاعني يكتب: السيل يتبع أثره

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٠٦/أبريل/٢٠٢٦ ١٨:٣١ م
علي المطاعني يكتب: السيل يتبع أثره
علي بن راشد المطاعني
هناك من الأمثلة الشعبية العُمانية التي ما برحت حية، وإلى يوم الدين، ويتعين علينا الاستفادة منها في حياتنا اليومية وفي إدارة شؤوننا؛ لأنها ببساطة تشكل إرثًا حضاريًا وتجارب معيشية تراكمت عبر السنين والأجيال، ثم أفرزت هذا الموروث الشعبي الخالد الذي يعالج ويتعاطى مع الكثير من مجريات حياتنا اللحظية واليومية، ومن هذه الأمثلة ذلك المثل القائل (السيل يتبع أثره)، أي أن الوادي ومهما طال الزمن وتراكمت السنين فوق بعضها، لا بد أن يعود لمساره القديم الذي أمسى نسيًا منسيًا لدى الأجيال الجديدة، لذا يجب علينا أن لا نتعدى على مسارات الأودية القديمة بالبنيان والسكن، وباعتبار أن الوادي نسي طريقه القديم، وأنه وفي مطلق الأحوال اتخذ طريقًا جديدًا له زاهدًا في مجراه مراعاةً لظروف الناس الذين استوطنوا طريقه الحبيب، وأنه ينظر إلى هذا الوضع نظرة حنو ورأفة، لذلك وهذا ما يعتقده الناس، قد آثر الاستكانة أو النأي عن مساره نسبة لازدحام طريقه بالمنازل والأسواق والمتاجر، وأنه ومن ناحية إنسانية صرفة سيتركهم وشأنهم ولن ينغص عليهم حياتهم الهانئة.
لا يا سادتي، هذا لن يحدث، فالوادي لا يملك أي ذرة مشاعر، وليست له دموع تذرف ثم تُرى في الوجنات والخدود، تأكيدًا على أنه لا يملك هكذا ملامح أصلًا، ما يعرفه ويؤمن به شيء واحد، من تواجد في طريقه الذي سجله باسمه في صحائف الخلود قبل ألف عام أو يزيد، هو طريقه الذي لن يحيد عنه تحت أي ظرف كان، وتحت أي أعذار أو التماسات قُدمت له.
على ذلك، فإنه وعندما يأتي، يأتي عبوسًا صرصرًا لا يهادن ولا يسالم، وسيكتسح كل ما يجده في طريقه، بغض النظر عن هذا الشيء إنسان أو حيوان أو حجر، تلك هي الحقيقة المجردة التي يجب علينا التعامل معها بأعلى درجات الجد والحذر.
كل ذلك شاهدناه في الأنواء المناخية ابتداءً من إعصار جونو مرورًا بفيت وشاهين، وأخيرًا الأنواء المناخية التي عُرفت بالمسرات؛ الأمر الذي يتطلب من الحكومة والمجتمع على حد سواء إيلاء هذا الجانب أعلى درجات الاهتمام، وعلى كل ولاية أن تضع وتعلن عن تصوراتها في كيفية تلافي التعدي على مسارات الأودية وإيجاد الحلول للمشكلات القائمة بمشاركة كل الجهات المعنية والوجهاء والمهندسين لوضع مرئيات لكل ولاية على حدة في كيفية التعامل مع هذه الوقائع العنيفة وتبعاتها المميتة وبنحو يسهم في سلامة الناس وتقليل معدلات الخسائر والأضرار.
بلا شك أن الإرث الشعبي يجب الالتفات إليه بجدية، فهو لم يُقل عبثًا بل استلهامًا لوقائع حدثت عبر سنوات طويلة خلت، سواء من حيث التوثيق والتعريف به كأحد الموروثات التي يجب الحفاظ عليها واستثمارها عمليًا وميدانيًا من خلال العمل بها والاسترشاد بمخرجاتها في كل الخطط والبرامج العمرانية والإسكانية، وإن فعلنا فسنخلص لحقيقة حتمية الابتعاد عن مسارات الأودية في كل ولايات السلطنة، فمع النمو السكاني والتوسع الاقتصادي والطمع الإنساني في التملك والاستحواذ المحموم بدون معرفة أو استقصاء، يقابله إهمال من الأجهزة الإدارية المختصة، والنتيجة الكثير من المنشآت والمساكن على ضفاف الأودية ومساراتها تنتظر حتفها في ثبات غريب، متناسين المثل الذي أشرنا إليه باعتباره حقيقة مثلى، بعدها ها نحن نشاهد حجم الأضرار والوفيات وفقدان الممتلكات.
وعند وقوع هذه المآسي يتصاعد لهيب الحديث خلال الفترة التي يهطل فيها الغيث عن ضرورة الابتعاد قدر الإمكان عن مسارات الأودية، ويتفق الجميع على حتمية وضرورة الالتزام بهذه الثوابت الأمنية الراسخة، وما إن تنتهي فصول المآسي، وبعد أن يلعق الضحايا جراحاتهم الغائرة، لا يلبث أن تعود (حليمة لسيرتها القديمة)، وهذا مثل يقال في فداحة الإهمال، فيعود الجميع مجددًا إلى صديقهم القديم بطون الأودية وضفافها الخادعة الساحقة، وهكذا تتكرر التراجيديا كل عام بذات المشاهد، وبذات النواح ومشاهد شق الجيوب، هل تراهم يوم عادوا قد نسوا ما كان وما حدث العام الماضي؟ بالقطع لا، بل هي الأماني السرابية القائلة بأنه لن يعود مجددًا بعد أن فعل ما فعل.
فاليوم، وبعد الوصول لهذه القناعات بضرورة إيجاد حلول عملية لطغيان الإنسان على الطبيعة، وبعد أن رأينا الأهوال فادحة وناطقة، يتوجب تشكيل لجان فنية وأهلية من الجهات الحكومية المختصة والأهالي والشباب المختصين في المجالات الفنية ذات العلاقة للتدارس في كيفية مناهضة التعدي على الطبيعة، وإيجاد الحلول للمشكلات القائمة التي تتفاوت بالطبع من ولاية لأخرى، وسن التشريعات والقوانين التي تكفل عدم تكرار هكذا تعدٍّ، والعمل على معالجة المشكلات القائمة بالإمكانات المتوفرة، فليست كل المعالجات تحتاج إمكانات ضخمة بقدر ما تحتاج إلى عقول تفكر، ونظم تُشرّع، وقوانين تردع.
بالطبع هناك جهود تُبذل على المستوى الوطني، لكنها لن تفي إلا بالعموميات، فمثل هذه القضايا ينبغي أن تُعالج على مستوى كل ولاية في إطار نظام المحافظات وإضفاء الصلاحيات لها، وكذلك تُفوّض الولايات لتضع النظم التي تسهم في معالجة إشكالياتها وما يتفق عليه أبناؤها بالتعاون مع الجهات الحكومية المختصة.
نأمل أن يرى هذا المقترح التنفيذ لما له من أهمية في تسريع وتيرة العمل إزاء الحد من التعدي على الأودية بهدف التوسع العمراني والاقتصادي المزعوم على حساب البيئة ومكوناتها، وأن تعمل الولايات والمحافظات في هذا الشأن كجزء من دورها في المرحلة الراهنة في معالجة كل الإشكاليات التي تسهم في تسريع وتيرة العمل، وكذلك التأكيد على إعلاء شأن أمثالنا الشعبية، فهي لم تُقل عبثًا، وهي فوق هذا جزء أصيل من السمت العُماني الذي لا يُدانى.