
للمرة الثالثة أجلسُ بشغف لأشاهد فيلم " شيء من الخوف " المنتج عام 1969 والمعروض في العام ذاته .
أنا من عشاق أفلام الأبيض والأسود ، هناك ذكاء وشطارة في كيفية تحريك الإضاءة في تلك الأفلام القديمة ، وتكاد أن تكون الإضاءة روح الفيلم .. وهنالك رغبة جامحة لدى مخرجه حسين كمال في لقطاته الذكية أن يترك الكاميرا تقول ما هي مواقف ابطاله .
هو أشبه بمقطوعة شعر لأن واضع السيناريو شاعر ، عبد الرحمن الأبنودي ، وملحنه الرائع بليغ حمدي ، وكاتبه ثروت أباظة .
أثناء عرضه في صالات السينما ، تم إيقافه بشكل فجائي .. أُخرج المتفرجين من الصالات دون أن يعرفوا السبب ، بل قيل لهم أنه عطل فني .
بعدها ، عُرفت القصة : المخابرات المصرية من فعلت لأنه قيل أن الفيلم يحكي عن مرحلة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بإيحاءات تبدو للوهلة الأولى أنها صحيحة .. رجل زعيم عصابة في إحدى القرى ، الممثل محمود مرسي ، يحكم على هواه ، ومنها أنه يتزوج فتاة غصبا عنها ، شادية بصوتها الرخيم ، فتقاومه حتى النهاية ولا تسلم نفسها له .
بعد توقف الفيلم أصدرت الرقابة فتوى تقول سبب منعه من العرض كما قلنا .. كان عبد الناصر ملما جدا بمعرفة أحوال الشعب المصري بكل تفاصيله الدقيقة وما يمر به وأفكاره وحالته ، وحتى نكاته لو على رئيسه فكان يسمعها بقهقهة عالية منه .
حين وصل الخبر إليه طلب عرضا خاصا له ،، قيل أنه خرج مستمتعا بما شاهد ، فأقره على الفور وطلب إعادته للدور فورا .
( في روياته الشهيرة " أولاد حارتنا " يقول الكاتب الكبير نجيب محفوظ " الخوف لا يمنع الموت ، لكنه يمنع الحياة " ).. ترى لولا شجاعة بطلة الفيلم لما تمكنت من مقاومة من تزوجها غصبا . ظلت حتى النهاية تعتبر الزواج باطلا .
وذات أغنية للسيدة أم كلثوم " الحب كده " قامت قيامة الأزهر عليها ، وكتبت حولها تقارير إتفقت كلها على أن كلماتها مخربة للأخلاق العامة ، فتدخل عبد الناصر أيضا ، وطلب سماعها ، ثم طلب من الرقابة إعادة بثها .
خلال العام الذي قام به ما سمي " الضباط الأحرار " في مصر بتنفيذ انقلاب عسكري على الملك فاروق ( 1952) الذي كان يحكم البلاد ، اختفى بعد مدة قصيرة صوت أم كلثوم من الإذاعة المصرية ، وكانت الإذاعة هي الإعلام الوحيد يومها قبل وجود التلفاز .
سأل عبد الناصر وكان أحد كبار ضباط تلك المرحلة عن المسؤول في هذا الغياب لكوكب الشرق .. تم إحضاره إليه فسأله عن سبب توقف أغانيها ، أجابه بأنه أصدر قرارا بمنعها ، فسأله عن السبب ، فأجاب أنها من العصر البائد وقد غنت للملك فاروق ، فرد عبد الناصر فورا : ما رأيك لو ندمر أبو الهول والإهرامات لأنها من عصر بائد .. فأعيدت أغانيها ، وصدحت كعادتها ، وكانت تعتبر في تلك الأوقات سيدة الغناء العربي بلا منازع وجمهورها العرب أجمعين