
درسنا في الإعلام أن الخبر هو: (عضَّ الرجلُ الكلبَ) وليس العكس؛ فكون أن يعضَّ الكلبُ رجلًا فذلك أمر عادي، فهذه هي الوسيلة الوحيدة التي نعرفها جميعًا والتي يدافع بها عن نفسه؛ أما أن يعضَّ الرجلُ كلبًا، فهذا هو الغريب والمستهجن وغير المقبول بالمنطق ولا بالعقل.
وعلى ذلك، واتساقًا مع هذه القاعدة الجهنمية والسائدة إعلاميًا وفي وسائل التواصل الاجتماعي، فإن الخبر أو المقال أو البوست أو التغريدة أو الفيديو الذي لا يطبق هذه القاعدة المجنونة، فإن ما كتبه صاحبه وما جاد به قلمه ـ وإن كان فيه الخير والفلاح للناس كل الناس ـ لن يُقرأ، أو لن يجد الاهتمام الذي يستحقه. وبمعنى آخر، إنه يفتقد الإثارة، والإثارة في الغالب كذبة أو زعم يفتقر إلى المصداقية.
وهذا ما نشاهده بيانًا في وسائل التواصل الاجتماعي التي تعجُّ بهذا الغث، وحوله يجتمع خلق كثير من الناس بحثًا عن الشهد، غير أنهم في نهاية المطاف لن يجدوه إلا حشفًا وسوء كيل، اجتمع حوله سربٌ من الذباب. وهكذا تتضخم الكذبة ويغشى الناسَ نعاسُ الضلال.
هذه القاعدة يجب علينا أن نعيها ونستوعبها أبدًا ودومًا، باعتبارها أمست عنوانًا ساطعًا لهذا العصر الكذوب. ومع هذا، لا نستطيع القول إن وسائل التواصل الاجتماعي سلبت وسائل الإعلام النظيفة والحصيفة دورها؛ وكل ما هناك أن وسائل التواصل تعمل وفق هذه القاعدة لأسباب عدة، منها فردية العمل في أغلبها، ثم إنها ليست مؤسسات إعلامية يُشار إليها بالبنان أو بغيره، وبالتالي لا تحكمها قيود ولا ضوابط ولا أخلاقيات مهنة. فهي بمثابة ضوارٍ تجري وتعوي في سوح الغابة خلف فرائسها، بغير أن يطلب منها كائنٌ من كان الالتزام بروح الأخوة والرحمة في الافتراس والنهش.
ثم إنها لا تهتم إلا بزيادة المتابعات الناتجة عبر الضرب تحت الحزام، وبإثارة الرأي العام والاستئناس بجنون الاختلاف وصولًا إلى حد الاحتراب. ووسط هذا الهرج والمرج لا يتعين علينا انتظار من شياطين الإنس أي بارقة من تأنيب ضمير؛ فالأهم لديهم هو أعداد المتابعين، ومن ثم الربح، حرامه لا حلاله بالتأكيد واليقين.
الأمر الذي يتطلب منا، وفي هكذا حال ووضع، أن نتفق: أيُّ نوع من الإعلام نحتاج ونريد؟ وأيهما يفضي إلى الأُنسَة التي نحتاجها للعيش بسلام كما يحب ربنا ويرضى؟ هل عضُّ الرجل الكلب أم عضُّ الكلب الرجل؟ وقبل الإجابة والاستجابة علينا أن نجلس سويًا تحت ظل شجرة ظليلة والشمس في كبد السماء، لنسأل في تجرد: هل ما نراه ماثلًا أمام أعيننا يرضينا ويسرنا ويسعدنا؟ وأحسب أن العقلاء والحكماء سيتصدون للنازلة، وسيحكمون بما أمر به الله، وسيعيدون الثعابين إلى جحورها مرغمة، وسيعلنون للملأ انتصار الجمال والصدق والنبل، ويتطلعون بعد ذلك إلى حياة أرغد وأسعد. تلك هي الفطرة السليمة المرتجاة.
صحيح أن كثيرًا من اللغط والجدل البيزنطي ما برح يدور حول الإعلام والتواصل الاجتماعي، ومن تراه سيجندل الآخر، وأيهما يستحق أن يطلق عليه مصطلح إعلام، والآخر يبحث لنفسه عن صفة تميزه وتشير إليه. مع أننا نوقن بأنه ليس هناك اتجاه لهكذا تصنيف؛ فالكلمة ستظل وتبقى هي الكلمة، تمامًا كما ورد في الآية الأولى من سورة (القلم) عندما قال رب العزة: (ن والْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ).
لقد أقسم الله عز وجل بالقلم الذي يكتب به الملائكة والناس ما برحوا يكتبون. إذن فالملائكة تكتب، والناس كذلك. غير أن ما تكتبه الملائكة خطير وأليم؛ فهي تصور تصويرًا دقيقًا ما يكتبه الناس: إن كان خيرًا فهو خير وجنة نعيم، وإن كان شرًّا فجهنم وبئس المصير. على ذلك لا يتعين على البشر الذين يكتبون أن يعتقدوا بأن كتاباتهم ستذروها رياح العدم، لا والله؛ فالملائكة تكتب حصائد ما يكتبون؛ وتلك هي خطورة القلم لو كانوا يعلمون، وذلك كان قسم العزيز الجبار.
فاليوم الخبر في الجريدة ـ وهذا استثناء ـ متى كان مثيرًا وصادقًا ويحمل سبقًا صحفيًا مميزًا وبه معلومات جدية عن توجهات أو أنباء أو غيرها، يأخذ مساحته. وكذلك التحقيق الصحفي متى كان استقصائيًا وأمينًا ونزيهًا ويسلط الضوء على مشكلة أو قضية، كان له وقعٌ ومتابعات. وهكذا تمضي فنون العمل الإعلامي نحو العلا.
أما نحن معشر كتّاب المقالات، فلا تنتظروا منا أن نكتب دومًا مقالات إيجابية تُظهر المحاسن أو الإيجابيات؛ لأنه لن يقرأها أحد، حتى الجهات المعنية بالمقال، اتساقًا مع النهج السائد اجتماعيًا للأسف. لذلك لا يجب إضاعة الجهد والوقت في كتابة الإيجابيات، هذا ما يقوله المنطق الجديد.
فاليوم الإعلام الحصيف والتواصل الاجتماعي لا نحسب أنهما في سباق حول من يصل إلى المتلقي أولًا، بل إن الثاني ما برح في سعيه اللانبيل للحاق بمحبوته: نظرية (الكلب). لذلك نرى انتشارًا للتغريدات السلبية مضمونًا وفكرًا، والمكللة بالسواد وفاحش القول، أما تلك الملتزمة بقدسية القلم التي أشرنا إليها فلا تلقى أي استجابات أو متابعات، أو أدنى اهتمام.
لذلك علينا أن نتحمل تبعات الإعلام والتواصل الاجتماعي من خلال تطبيق القاعدة أو النظرية التي باتت شهيرة، ولا ينبغي علينا أن نعول كثيرًا على المعتقدات الخاصة بحرية التعبير المفضية إلى قول الحقيقة مجردة وساطعة وناصعة؛ فذلك لم يعد مهمًا. فالقاعدة الخاصة بسعة الانتشار وبلوغه أركان الكون كلها هي فقط التي صببنا عليها الماء صبًّا.