صديقي الفلسطيني الراحل خيري منصور ، لكثرة ما غيّر بلدانا ، كانت تواجهه دائما قضية التعريف بالمهنة الأحب إليه كما كان يسميها . كان أمن الحدود يسأله عن مهنته فيجيب أنه شاعر .. يتردد الموظف في البداية ثم يناقشه ، حتى أن أحدهم سأله عما إذا هنالك مهنة إسمها شاعر ، لأن الشعر برأيه ورأي معظم رجال الأمن الذين قابلهم عند الحدود هي موهبة لا توضع على وثيقة الولادة أو جواز السفر
أخيرا قبل أن يتوفى بعام تقريبا ، أخبرني أن رجل أمن في مطار الجزائر أُثلِج صدره حين عرف أن خيري شاعرا ، بل وضعها كمهنة ، ثم لم يتركه وشأنه ، بل أصر على تناول كأس من الشاي معه ، ثم اسمعه قصائد له فرح بها خيري واعتبرها فعلا من الشعر وليس مجرد أفكار أو خواطر .
ماذا لو وقف هؤلاء الذين يطلقون على أنفسهم في هذه الأيام أنهم " محلل سياسي " أو باحث سياسي " أو خبير في الشؤون الأميركية " مثلا أو أو.. أمام أمن المطار .. هل يخبره عما يمارسه على محطات التلفزة ، أم يقول له حقيقة مهنته .
كيفما قلبنا المحطات نجدهم ، سواء يملكون معلومات أو لا يملكون ، يصرون على أنهم محللون أو باحثون أو خبراء .. المسألة كلها من يملك المعلومة .. هل يعلم جنابك أن ثمن المعلومة أحيانا يصل إلى مبالغ خرافية إن صحت بالطبع ، وأن هنالك أناسا مقربين من مواقع المعلومات ، ولهم حظوظ فيها ، يحصلون على ما يريدون مقابل معلوماتهم .
الصحافي المصري الراحل محمد حسنين هيكل أبرزهم ، كانت أذنه تختزن يوميات الرئيس الراحل جمال عبد الناصر نتيجة قربه منه ، إلى حد ما قد يخبره أيضا عن خصوصياته الشخصية وربما العائلية ، وبعض كتبه تنضح بها كما هو حال كتابه " لمصر لا لعبد الناصر " ..
رغم براعة هيكل في مهنته وتمايزه فيها وقدرته على جلب المعلومة من مصادرها بما لديه من علاقات خاصة بمراكز القرار ، كان يحترم مهنته وحتى نفسه فيضع إسمه " صحافي او كاتب صحافي" فقط ، وهو برأيي أهم خبرائها وقدراته تفوق قصة الصحافة من أبوابها العريضة .
القضية الأخرى التي تخص هؤلاء " المحليين " ، أنهم انقسموا حسبما هي المحطة التلفزيونية التي يعيشون عليها دون غيرها .. هنالك لا تراهم إلا بعض الشاشات ويسمون أنفسهم من المقربين جدا لما يسمى الممانعة مثلا أي المقربون من حزب الله وإيران .. وهنالك " محللون " ترفضهم تلك الممانعة فتصطادهم محطات مضادة .. أو هم في الأصل يعتنقون العداوة ضدها .. ومن المؤسف أن جمهور الممانعة يسمع الكلام ذاته من محلل إلى آخر كأن هنالك من يخضعهم لفكرة واحدة يمنع الخروج عليها .
يصيبني الملل دائما وأنا أتنقل بين المحطات لأسمع الكلام ونقيضه ..! .